أخبارالملف الإيراني

هل ستعود إيران إلى الاتفاق النووي؟

الأهمية والتداعيات على "إسرائيل" والمُجتمع الدولي

ترجمة الهدهد
دينيس سيترينوفيتز/ مركز هرتسيليا مُتعدد التخصصات

مُلاحظة: المقال يُعبر عن رأي كاتبه

في الأيام الأخيرة تحدث العديد من كبار المسؤولين الإيرانيين، بقيادة الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي، عن المحادثات النووية في فيينا، جادل هؤلاء المسؤولون بأنه بينما لا تعارض إيران العودة إلى طاولة المفاوضات، فإن ذلك ليس بأي ثمن وبالتأكيد ليس تحت الضغط الأمريكي، وتأتي هذه التصريحات ردا على ضغوط شديدة تمارسها عناصر مختلفة في النظام الدولي على إيران للعودة إلى المحادثات النووية.

تعكس تصريحات هؤلاء المسؤولين حقيقة النهج الإيراني، فيما يتعلق بالمحادثات النووية، والعودة المحتملة إلى اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة؛ فهي لن توافق على العودة إلى المحادثات، إلا إذا قدم المجتمع الدولي الضمانات ذات الصلة التي ستضمن حصولها على ما تريد، في الوقت نفسه تحاول طهران “البث” للمجتمع الدولي عدم جدوى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وعلى أي حال، فإن العناصر الجديدة في النظام بحاجة إلى دراسة الموضوع بعمق؛ لذا فإن العودة الفورية أمر غير وارد.

كما تستغل إيران “المماطلة” من أجل تحقيق تقدم ملحوظ في برنامجها النووي، وتكديس العديد من الأصول المهمة؛ استعدادًا لاستئناف المحادثات، ولإنتاج نقطة انطلاق محسنة لبرنامجها النووي، كما أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في الأيام الأخيرة تقريرًا خطيرًا، مفاده أن إيران تشكل صعوبات كبيرة لمفتشي الوكالة، الأمر الذي تطلب من رئيس الوكالة رافائيل غروسي السفر بشكل عاجل إلى طهران.
ولكن حتى لو كان الإيرانيون مُستعدين لاتخاذ خطوات تكتيكية لصالح مفتشي المنظمة، فهم يعملون انطلاقاً من تصور أن التزامهم بالاتفاق النووي انتهى بمجرد انسحاب الولايات المتحدة منه،هذه الحقيقة، والتزام النظام بقيادة رئيسي بالقانون النووي الذي أقره البرلمان الإيراني بعد القضاء على فخري زاده، يؤكدان أنه بدون العودة إلى الاتفاق النووي، فإن النظام الرقابي بأكمله في خطر حقيقي، حتى إذا عادت إيران إلى المحادثات في نهاية المطاف، فإن احتمالية عودتها إلى الاتفاقية النووية الأصلية تظل منخفضة؛ لأسباب عدة:

1. التغييرات السياسية في إيران: وعلى رأسها انتخاب الرئيس رئيسي – على عكس روحاني الذي رأى نفسه ملتزمًا بالاتفاق النووي، وفعل كل شيء ، بما في ذلك مواجهة الزعيم الإيراني، للرد عليه، فالرئيس الإيراني الجديد ، رئيسي، لا يفهم أهمية الاتفاق النووي وخاصة الآثار الاقتصادية المصاحبة له، لكنه شعر بالتزام عميق تجاه الزعيم الإيراني وخاصة بضرورة الالتزام بالخطوط الحمراء نفسها التي وضعها الزعيم، على عكس روحاني ، فإن مستوى الشك من رئيسي وفريقه تجاه الولايات المتحدة عميق أيضًا، وهي حقيقة تجعل من الصعب جدًا إجراء المحادثات بشكل مباشر وعلني.

2. الفريق المفاوض: لعب فريق التفاوض بقيادة روحاني بقيادة وزير الخارجية ظريف دورًا كبيرًا في التوصل إلى الاتفاق النووي في المقام الأول. فهؤلاء دبلوماسيون ذوو خبرة على دراية جيدة باللغة الإنجليزية والثقافة الغربية، بطريقة مكنتهم من إنتاج قنوات اتصال غير رسمية خلال المحادثات التي مهدت الطريق للتوصل إلى اتفاق؛ أما فريق رئيسي، سواء كانت المفاوضات تجري من خلال وزارة الخارجية أو وزارة الخارجية، هو فريق دوغماتي ومتشكك في الغرب، ولا يهتم بالدرجة الأولى بالاجتماع مباشرة مع الجانب الأمريكي، ودون محادثات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، تقل القدرة على التغلب على النزاعات بشكل كبير.

3. الزعيم الإيراني: على عكس عهد روحاني ، يبدو أن خامنئي قرر الانخراط بعمق في المفاوضات؛ من أجل تجنب وضع “يتعرض فيه للغش” مرة أخرى. بالإضافة إلى ذلك، اختفت درجة الثقة الضئيلة التي لا يزال خامنئي يحظى بها في عملية التفاوض، والتي استند إليها نهج “المرونة البطولية”، وعوض عنها المزيد من الشكوك في تحركات الولايات المتحدة، التي تعمقت بعد الاغتيال لقاسم سليماني.

4. التقدم النووي الإيراني: التقدم غير المسبوق لإيران في برنامجها النووي، وخاصة في برنامج التخصيب، يضعف بشدة القدرة على العودة إلى “عام الاختراق” (SQ1) ،أي أن سنة من المواد الانشطارية تكفي لصنع قنبلة نووية واحدة، وتحسن بشكل كبير موقف إيران التفاوضي في المفاوضات، حتى لو كانت إيران مستعدة من الناحية الفنية للعودة إلى حالة “عام الاختراق” ، فإن إنجازات علمائها والمعرفة التي اكتسبوها خلال هذه الفترة لا يمكن “محوها”.

5. التراجع في المجتمع الدولي: على الرغم من أن الوضع الاقتصادي في إيران صعب للغاية، لكن على مر السنين ، تمكنت إيران من “التكيف” مع العقوبات الإيرانية، من خلال تحركات مختلفة سمحت لها بإبقاء رأسها فوق الماء.
هذه الحقيقة، إيمان خامنئي ورئيسي بقدرة إيران على أن تقوم على “اقتصاد المقاومة” وعدم الاكتراث للمجتمع الدولي فيما يتعلق بإيران، تعزز من تصور طهران حول عجز الولايات المتحدة عن حشد المجتمع الدولي لممارسة المزيد من الضغط على إيران، وتقليل إلحاح إيران لرفع العقوبات.

من ناحية أخرى من الواضح أن الإدارة الأمريكية حريصة على عدم “شد الحبل” تجاه إيران، على الرغم من التقدم غير المسبوق الذي أحرزته طهران في المجال النووي. فقد رفع كبار المسؤولين الحكوميين، بقيادة وزير الخارجية بلينكين، مؤخراً اللهجة مع طهران وهددوا بعدم استمرار المفاوضات، وعلى أرض الواقع، لا تهدد الإدارة أو تعمل في الواقع على “معاقبة” إيران على هذا التقدم؛ من أجل الحفاظ على عودة محتملة. من وإلى الاتفاقية. في الوقت نفسه، يحاول كبار المسؤولين ممارسة الضغط عبر روسيا وفرنسا؛ في محاولة لإقناع إيران بالعودة إلى المحادثات. علاوة على ذلك، فإن النقاشات بين القوى قبل الاجتماع المقبل لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي مؤشر على أنه سيكون من الصعب أو المستحيل إعادة بناء تحالف موحد ضد إيران، حتى لو وصلت المحادثات إلى طريق مسدود.

أما بالنسبة “لإسرائيل” فالصورة مقلقة للغاية، إذ لا يبدو أن أحداً في النظام الدولي، بما في ذلك في واشنطن، ينوي اتخاذ أي خطوات تهدف إلى وقف تقدم إيران في البرنامج النووي. بالإضافة إلى ذلك، فإن الضرر الواضح الذي لحق بالنظام الرقابي (الذي يمتنع الإيرانيون عنه بشدة) سيضعف القدرة على فهم الوضع الدقيق للبرنامج النووي.

في ضوء ما سبق، يجب على “إسرائيل” الاستعداد لجميع السيناريوهات، بما في ذلك:
1. وضع علامة مع الإدارة الأمريكية على المناطق “المؤلمة” لإيران التي يمكن “الضغط عليها” بفرض عقوبات إضافية إذا لم تعد إيران إلى طاولة المفاوضات أو الاتفاق النووي.

2. التأكيد على أهمية تحديد موعد نهائي لإيران للعودة للمحادثات، وفرض عقوبات إضافية على إيران إذا لم تلتزم بهذا الموعد.

3. إنشاء مجموعة عمل مخصصة تراقب بشكل مشترك تطورات البرنامج النووي الإيراني؛ بهدف صياغة “خطوط حمراء مشتركة” وتنبيه صانعي القرار في كلا الجانبين إذا تجاوزتها إيران.

خلاصة القول:

على الرغم من أن كلا الجانبين يبدو أن لهما مصلحة مشتركة في العودة إلى الاتفاق النووي، إلا أن التغييرات السياسية في إيران تقلل بشكل كبير من احتمالية حدوث هذا السيناريو، وتلقي على وجه الخصوص بظلال من الشك على قدرة الإدارة الأمريكية على إنتاج خطة “أوسع وأطول” لإنجاز اتفاق مع إيران.

يبدو أنه حتى لو نجحت الأطراف في تجاوز العقبات الهائلة التي تواجهها ، فستكون هناك عودة إلى الاتفاق الأصلي، مع تلبية المطالب الإيرانية بشكل شبه كامل، من ناحية أخرى، من الواضح أن طهران “تسير على حبل مشدود”، إذ إن تحديات النظام هائلة، وستجد الحكومة المحافظة صعوبة بالغة في إعادة تأهيل البلاد دون التأثير الاقتصادي للاتفاقية.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى