أخبارترجماتشؤون عسكرية

الغطرسة والغباء والإهمال الإجرامي… أدى إلى انحطاط وتراجع القوات البرية “للجيش”

ترجمة الهدهد

يوسي بلوم هاليفي/ معاريف

ملاحظة: المقال يعبر عن رأي كاتبه

لقد مرت 28 عام منذ أن تبنت دولة “إسرائيل” اتفاقيات أوسلو وانطلقت في طريق السلام، والتي يمكن أن يشعر كل مواطن بعواقبها في حياته اليومية في هجمات “إرهابية” مروعة.
في عمليات قتالية لا نهاية لها، وفي حرب كبيرة واحدة، يكمن أفق قاتم للتهديد الوجودي على شكل مئات الآلاف من الصواريخ التي تستهدف الجبهة الداخلية المدنية، و البنية التحتية الأساسية ومراكز القوة العسكرية للبلاد.
لأول مرة منذ “معارك الاستقلال”، الحرب القادمة التي تتنبأ بها معظم دراسات الأمن القومي ستكون حرب إبادة شاملة.
حرب تتعرض فيها البلاد بأكملها، من دان إلى إيلات، لآلاف الصواريخ الدقيقة والهجمات الإرهابية الداخلية والهجمات البرية على المستوطنات الحدودية.

تقديرات دقيقة تتحدث عن حوالي 250 ألف صاروخ من مختلف الأنواع بقيادة إيران والفصائل المؤيدة لها، وعن ضربات يومية لحوالي 3000 صاروخ موجه على كل مدن وبلدات البلاد والمطارات والموانئ وشبكات النقل البري وأنظمة التحكم، والسيطرة على القواعد العسكرية ووحدات مخازن الطوارئ التابعة للجيش وهو الجدار الدفاعي النهائي للدولة اليهودية التي أقيمت على “أرض إسرائيل” قبل 73 عام.

إن وجه هذه الحرب التي لم يُعرف متى تاريخ اندلاعها، ليس سوى تدمير دولة “إسرائيل”.
قد يحدث الدمار الذي حدث في العقد الماضي في العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن هنا ، في ركن الله الصغير الذي بنيناه في رؤية الأجيال بعد “الهولوكوست”.

ويمكننا اليوم بكل أسف أن نقول: إن الغطرسة التي جرّتنا قبل 48 عامًا إلى حرب “يوم الغفران”(حرب1973) لم تنفصل عن العالم الروحي لقادة الدولة فحسب، بل ترافقت مع الغباء والإهمال الإجرامي الذي أدى بهم إلى التدمير المستمر لقدرة الدولة في حماية مواطنيها.

طوال هذه الفترة ، من حرب الخليج الأولى، وحتى الانتفاضة المستمرة ، وعملية الدرع الواقي ( اجتياح الضفة 2001)، وحرب لبنان الثانية ، و”إرهاب” حماس ، تعلم أعداؤنا أن الردع الذي بنيناه بقوة عسكرية دائمة وإراقة دماء غزيرة لم يعد موجود.

أدت القرارات القاسية في قمة الجيش منذ حرب “يوم الغفران” إلى أن تتخذ القيادة المدنية، بعد أوهام اتفاقيات السلام، قرارًا بتفكيك القوات البرية واستثمار موارد محدودة في الأمن على مستويين خاطئين:
الأول : استثمارات في سلاح الجو على حساب القوات البرية.
والثاني : إهمال الأمن الداخلي لدولة “إسرائيل” لصالح الاستثمارات في العنصر العسكري على حساب الجبهة الداخلية المدنية ومنع الجريمة الإجرامية التي أصبحت تشكل تهديدًا قومياً مسلحًا “لفلسطينيي 48”.

خلال التسعينيات وحتى 2021 ، فككت المؤسسة العسكرية والجيش بإذن من حكومات رابين وبيريز ونتنياهو وشارون وأولمرت، 33 مقرًا قيادياً للقوات البرية، وهكذا ، تبقت اليوم ثلاثة مقرات قيادة مناطقية ، وفي ذروة الخطة متعددة السنوات “تنوفا” ، تم وضع قوات برية بصورة غير مقبولة.
يشمل ترتيب القوات المقاتلة فرقًا مدرعة ، وفرقة كوماندوز واحدة ، وألوية مدرعة ، وألوية مشاة، وقيادات ميدانية للواء للأمن المشترك.

تم إهمال نظام القوات هذا والتخلي عنه لسنوات عديدة.
نظام الاحتياط لم يتدرب في الأطر القيادية، ومنظومة الجيش النظامي الذي يخرج حاليا من الخدمة بضغط من وزارة المالية ، لا تسمح حتى بحد أدنى من الوقت لاستيعابه أو استيعاب النظرية القتالية والتقنيات المتقدمة في تطوير وتأهيل القوات .
ومع هذا التأهيل المُنخفض يضاف هؤلاء الجنود الشباب إلى منظومة الاحتياط المهملة للقوات البرية.
الضعف الكمي والنوعي للقوات البرية لا يلقى إجابة حيث سيكون مطلوباً منه العمل على الأرض ، في ضوء عدم قدرة القوات الجوية على حماية بنيتها التحتية الاستراتيجية والجبهة الداخلية المدنية.
كل هذا والحل الوحيد المرئي هو مناورة القوات البرية ، والجمع بين التحركات العميقة التي تهدف إلى مداهمة وتدمير مناطق إطلاق الصواريخ في سوريا ولبنان وقطاع غزة.
تآكل في قدرات القوة” الجنود” أدى تفكيك 33 مقر من مقرات القوات البرية إلى إعدام آلاف المركبات المدرعة والدبابات والمركبات القتالية المدرعة ذاتية الإنتاج – إما ببيعها أو التخلص منها أو إلقائها في ساحات الخردة.
تسارعت هذه العملية بعد إخفاقات حرب لبنان الثانية ، استجابةً لاستنتاجات لجنة التحقيق برئاسة القاضي فينوغراد في نيسان 2007.

في وقت لاحق في مايو من ذلك العام ، كشفت لجنة بروديت عن أوجه قصور وأخطاء خطيرة في إدارة ميزانية الجيش ومؤسسة الأمن التي أدت إلى الإخفاقات المكتشفة في الحرب.

وأوصت اللجنة بأمور أخرى مثل وضع ميزانية للأمن متعددة السنوات، وزيادة معينة في الميزانية السنوية.
كما أوصت بسلسلة من إجراءات التقشف والكفاءة التي تشمل تقصير فترة الخدمة الإجبارية إلى أربعة أشهر، ورفع سن التقاعد للجنود الدائمين، وتقليل عدد المدنيين العاملين في الجيش، وتقليص عدد جنود الخدمة الدائمة بشكل كبير.
قالت اللجنة إن توصياتها كانت في الواقع “خطة إنعاش” ، لكن الجيش ومنظومة الأمن شوهوا روح توصيات اللجنتين؛ ما أدى إلى نتيجة عكسية وإلحاق ضرر جسيم بالحد الأدنى من القوة والكفاءة والمعدات العسكرية الأساسية المطلوبة للقوات البرية؛ كقوة مركزية في الجيش.

بعد ثماني سنوات وبعد عام من فشل عملية” الجرف الصامد” ( العدوان على غزة 2014) في يونيو 2015 ، طُلب من مؤسسة الأمن المتمردة مرة أخرى التعامل مع لجنة جديدة برئاسة اللواء يوحانان لوكر بشأن القضية المزمنة التي لم يتم حلها من خلال إدارة محترفة وسليمة لميزانية الأمن.
وهكذا بعد ست سنوات من نشر توصيات لجنة لوكر واثنتين من الخطط متعددة السنوات المدرجة في الميزانية التي تعهد بها الجيش وهما خطتا “جدعون” و “تنوفا” ، يمكن ملاحظة أن الجيش فشل في إعادة تأهيل القوات البرية وقدرتها على خوض حرب متعددة الساحات، وتشمل مواجهة الجيوش النظامية في جميع أنحاء حدود دولة “إسرائيل”.

الفشل ليس فقط في الجانب الكمي للقوى البشرية ووسائل الحرب، ولكن بشكل رئيسي في التآكل النوعي لقدرات القوات البرية المقاتلة، والمعنويات المتدنية وقلة التدريب في المسار المتوقع للحرب في الحدود اللبنانية والسورية وغزة، وربما قطاعات أخرى لا سمح الله أمام الجيوش النظامية.
بدلا من مواجهة ضائقة الميزانية والاحتياجات الدفاعية الحيوية ، يجد وزراء الجيش والمالية ورئيس الأركان الجرأة في تحسين ظروف المعاشات التقاعدية لكبار العسكريين ، مع تجاهل الجنود العسكريين النظاميين.
كما تم الكشف عن ظواهر فساد حقيقية في الجيش والمنظومة الأمنية، مع بقاء المنشآت والممتلكات دون رقابة، إضافة لمعدات قتالية تكنولوجية مكلفة بقيمة المليارات لا يتم صيانتها بالشكل المطلوب.

وكثيراً ما يتم اقتحام الثكنات بهدف سرقة أسلحة وذخائر من قبل العصابات، في حين أن القيادة العليا لا تعمل على حراسة المعدات التي عهدنا بها إليهم.

وتم منع جنود الاحتياط من اتخاذ إجراءات ضد اللصوص، بينما الشرطة “الإسرائيلية” بعيدة كل البعد عن التعامل مع مشكلة الأسلحة غير المشروعة في الوسط العربي.

تتمثل النتيجة الاستراتيجية المباشرة لهذا الفشل الفاضح في تقويض قدرة الألوية المقاتلة على الانتشار في ساحات القتال كدرس أساسي من حرب “يوم الغفران”.
علاوة على ذلك فإن هيكل “الجيش الإسرائيلي” لا يزال ثابت وتسيطر عليه البيروقراطية. فالقوات البرية ليس لها قائد مباشر، ويتم تقسيم المسؤوليات والسلطات بين هيئة الأركان العامة، التي تعمل كـ “لجنة تنفيذية” للقوات المقاتلة في القيادة الميدانية، يثبت ذلك أن دروس حرب لبنان الثانية و ” الجرف الصامد” لم يتم الاستفادة منها.

عملية” حارس الأسوار” العدوان على غزة 2021 هي ضوء إنذار أحمر للتحذير من كارثة وجودية تواجه “دولة إسرائيل”، ومن واجب كل مواطن هذه الأيام أن ينادي بترتيب المستويين السياسي والعسكري.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى