أخباردراسات

مسار بناء القوات … التحديات والمقتضيات

✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

تقوم نظرية بناء الجيوش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في الدول على نظريتين أو طريقتي عمل ؛ الأولى تقوم على مجموعة إجراءات من الأعلى للأسفل ، والثانية على عكس الأولى بحيث يتم بناء القدرات ومراكمتها من الأسفل للأعلى . وحتى نبسط الموضوع ولا نغرق في تفاصيله الفنية ، وكأرضية لفهم ما نحن في صدد الحديث عنه من تحديات ومقتضيات مسار بناء القوات ؛ ارتأينا أن نبدأ هذه المقالة بالحديث عن تلكم الطريقتين في البناء والمراكمة . فالدول المستقلة والمستقرة التي لا تملك أعداء وليس لديها أطماع خارجية أو مصالح وأهداف يقتضي تأمينها إمتلاك قدرات قتالية خشنة أو صلبة ، وكلازمة من لوازم الدول وكمظهر من مظاهر السيادة وعلامة من علامات القوة التي تمنع الآخرين من الاعتداء عليها وعلى مواردها الطبيعية ؛ تعمد هذه الدول إلى بناء قدرات عسكرية وأمنية تتوخى منها حفظ أمنها الداخلي ومنع الآخرين من التفكير في الاعتداء عليها ، وكون هذه الدول في أصل تكوينها لا تملك أعداء أو منافسين محليين ولا تطمع في أرض أو موارد غيرها ، تقوم بسن قانون أو تشريع تحت مسمى قانون الدفاع ــ قد يختلف من دولة إلى أخرى ــ ينبثق عنه تكوين وزارة دفاع ودوائر أمنية تقوم بتحديد ما تريد من قدرات عسكرية وأمنية تحقق من خلالهما ما جئنا على ذكره من أهداف ، بحيث تقوم جهات الاختصاص هذه بتحديد كم القوات وصنوفها وهيكلياتها القيادية ؛ التعبوية منها والركنية ، وأولويات البناء وتخصيص القدرات،  وأماكن تأمين ما يلزمها من قدرات قتالية ، ثم تضع جدولاً زمنياً لتنفيذ ما تم إقراره سياسياً ، مفوضة عملية التنفيذ إلى جهات الاختصاص المختلفة تنسق فيما بينها وبين باقي هياكل ووزارات الدولة ، فلا تلبث أن ترى تلك الدول قد بنت قدرات وامتلكت تجهيزات تنشرها وتستعرضها في الأعياد والمناسبات كمظهر ولازمة من لوازم الدول ، إلا أن هذه القوات كونها لا تواجه تهديدات حقيقية ولا تملك أعداء متربصين ؛ قلما تكون ذات كفاءة أو جاهزية قتالية ذات مصداقية ، فلازمة امتلاك الكفاءة والجاهزية القتالية العالية ؛ وجود عدو متربص أو هدف ومصلحة لا يمكن تأمينها إلا عبر القوة القتالية . وهنا نأتي للحديث عن الطريقة الثانية من بناء القوات والتي اصطلحنا على تعريفها أنها الطريق من أسفل إلى أعلى ؛ وهنا تكون الدولة أو الكيان السياسي لديه عدو أو أعداء متربصين وأهداف ومصالح يريد أن يحققها أو يحميها من طمع الطامعين ، وليس لديه من الموارد المادية والبشرية ما ينهض بعبء القيام ببناء قدرات قتالية قادرة على رد العدو والتهديدات الصادرة عنه أو حماية الأهداف والمصالح الحيوية لذلك الكيان أو الدولة ، فتبدأ الدولة أو الكيان بوضع مسارٍ لبناء القوات يراعي تطور التهديد والمخاطر الناتجة عنه منسجماً هذا المسار مع مصفوفة ترتيب الأولويات وتخصيص القدرات عبر طيه لمراحل بناء تحُدد لكل منها ــ المراحل ــ كم القدرات المادية والبشرية،ونوع الصنوف والاختصاصات القتالية ، ومصادر تأمين ما يلزم تلك المرحلة من متطلبات ، وما تحتاجه كل مرحلة من المراحل من تشريعات وتوجيهات قانونية ودستورية ، وعين الجهات التنفيذية القائمة على هذه العملية لا تنفك تراقب وتلاحظ وترصد تطورات التهديد والمخاطر الناتجة عنه ، فترتقي في تطوير القدرات والجاهزيات بما يمكنها من النهوض في وجه التهديد ؛ فتمنعه ابتداءً من الوقوع ردعاً ، أو توقفه قتلاً عندما لا يمتنع من الوقوع ردعاً .

كانت هذه توطئة لا بد منها لفهم كليات مسار عملية بناء القوات ، وحيث أن هذا المسار ليس مساراً سهلاً لا تعوقه عوائق ولا تحدده محددات ، وإنما تعترض سبله تحديدات وعقبات ، ويقتضي بناؤه مجموعة من المقتضيات ؛ كانت هذه المقالة التي سنبسط فيها الحديث ــ بما يتسع له المقام والمقال مما يمكن أن يقال ــ  عن تلك التحديات وما يلزم للتغلب عليها من مقتضيات .

أولاً : التحديات : إن بناء القدرات الذي نتحدث عنه في هذا المقال إنما هو بناء من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فالقدرات التي نتحدث عنها إنما هي وسيلة لتحقيق هدف ، وليست هدف بحد ذاتها ، وإن كانت من باب فلسفي بحت ، تكون هدفاً في الوقت عينه الذي تكون فيه وسيلة ، وحيث أننا نتحدث عن وسيلة الهدف منها ردع عدو أو تحقيق مصلحة وهدف والدفاع عنه ؛ كان من أهم التحديات التي تواجه مسار بناء القوات هو الآتي :

  1. تعريف العدو : إن أهم تحدٍ يواجه الجهة التي تريد أن تخوض غمار مسار بناء القوات هو تحد تعريف العدو أو الأعداء الذين هم أصل الهدف وعلّة بناء القوات ومراكمة القدرات ، وهذا التعريف ليس تعريفاً تقوم به جهة اختصاص عسكرية أو أمنية  فقط ؛ وإنما هو عملٌ تقوم به مؤسسات الدولة السياسية ، فهي صاحبة القرار الأول والأخير فيه ، غير مغفلة رأي جهات الاختصاص التي تريد أن تقوم بالأعمال التنفيذية المرتبطة بعملية البناء . وهذا التعريف ليس تعريفا ًيعتسف اعتسافاً ولا تصاغ عباراته الأدبية اعتباطاً ، وإنما هو عمل يقتضي توفر معلومات ومعطيات صلبة تخضع إلى عمليات تدقيق وتحليل وتقدير برؤوس باردة ، بعيدة كل البعد عن التمنيات والرغبات ، فلا تلصق صفة العدو أو الصديق أو الحليف أو المنافس بكائن من كان ، والشخصنة في هذا المجال قاتلة ، فكثير من العداوات بين الدول ، خاصة في عالمنا العربي  ، إنما هي قائمة على عداوة شخصية بين حكامها ، فتبنى جدر العداوة وتشق خنادق القتال بناء على رغبات أشخاص لا مصالح دول وشعوب ، لذلك عُدَّ هذا التعريف أهم خطوة في مسار بناء القوات ، فإن صلح فما بعده أصلح ، وأن فسد فما بعده أفسد .
  2. تحديد الأهداف أو المصالح المراد تأمينها أو الدفاع عنها : التحدي الثاني الذي يواجه الجهات المختلفة التي تقوم على مسار بناء القوات هو تحدي تحديد الأهداف والمصالح المراد الدفاع عنها أو تأمينها ، فهل هذه الأهداف لا يمكن أن تؤمن أو يدافع عنها إلا عبر عملٍ عسكريٍ خشن أو أمنيٍ نصف صلب ؟ أليس هناك من طرق أخرى يمكن من خلالها تأمين أو حماية تلك الأهداف ؟ فإن لم يكن إلا الأسنة مركباً لحماية وتحقيق تلك الأهداف ؛ فما هو القدر وما هو النوع المطلوب وما هي المراحل ومددها الزمنية التي ستطوى في هذا المسار ؟ إن هذا العمل في ظاهره جهدٌ نظري ؛ ولكنه في واقع الأمر عملٌ يتطلب جهود ميدانية وتعبوية شاقة جداً من أجل تحديد الأهداف والمصالح ، وما يمكن التخلي عنه عند الضرورة ، وما تسفك دونه الدماء فلا يتنازل عنه ولا يصفح عن المعتدي عليه .
  3. تعريف التهديد والمخاطر الناتجة عنه : إن من الأمور التي يُغفل عنها عند الحديث عن التهديدات ؛ المخاطر الناتجة عن تلك التهديدات ، فليس كل دواء يمكن تناوله يحمل مخاطر الموت الزؤام ، وليس كل طعام تتخم به المعدة يولد نفس المخاطر التي يولدها غيره من زاد ، وعلى هذا المنوال ؛ فليس كل تهديد يمكن أن يحمل في طياته مخاطر وجودية على أصل الدولة أو الكيان ، وليست كل قذيفة مدفعية تحمل نفس المخاطر التي تحملها غيرها من القذائف ، فكل وسيلة قتالية في أصل ذاتها تهديد ، ولكن كل وسيلة تحمل من المخاطر ما قد لا تحمله غيرها من الوسائل ، لذلك فإن مسار بناء القوات يقتضى من القائمين عليه أن يحددوا المخاطر الناتجة عن كل تهديد وسبل ردعه و/ أو احتوائه و / أو تدميره .
  4. تحديد أولوية التهديد : وحيث أن التهديدات قد تكون متعددة والقدرات غير كافية للوقوف في وجهها مجتمعة ؛ كان لا بد من ترتيب هذه التهديدات وفقاً لأولويات تحديد الأكثر خطورة والمتقدم منها والمتأخر بناء على مجموعة معايير تصنف التهديدات بناءً عليها وهي على النحو الآتي :
  • الفارق في ميزان القوى : إن أول ما يحدد أولوية التهديد وتقدمه على غيره هو الفارق في ميزان القوى بيننا وبين ذاك التهديد ، فكلما كان الفارق أكبر كانت هذا التهديد أولى بالانتباه له والمخاطر الناتجة عنه أكثر جدية ، وإمكانية شخوصه أمامنا كتهديد عملي إجرائي واردة في أي لحظة .
  • القرب أو البعد الجغرافي : كما أن القرب أو البعد الجغرافي معيارٌ مهمٌ في تحديد أولوية التهديد وطرق التعامل معه وفورية التصدي له ، فكلما كان التهديد قريب من مراكز ثقلنا وأصولنا المدنية والعسكرية ، المادية منها والبشرية ؛ كان ذا أولوية على غيره من التهديدات التي قد تكون بعيدة جغرافياً . وهنا لا بد من التذكير وبشكل سريع أن طبيعة الحرب في أيامنا هذه ووسائط خوضها قد اختلفت عن السابق ، فقد اختصرت وسائل ووسائط القتال الحديثة المسافات وغيرت من طبيعة التهديدات ، وهذا بحث طويل خارج سياق هذه المقالة ، ولكن الموقف اقتضى التنبيه .
  • القدرات الهجومية : والقدارت الهجومية التي يمتلكها العدو تجعل من تهديده ذا أولوية أو تدفعه إلى الخلف في سلم الأولويات ، فإن كان عدونا يملك من وسائط القتال الهجومية ـــ بغض النظر عن صنوفها ــ ما يمكنه من إيصال ضرره وتفعيل تهديده متى شاء وكيف شاء وبالقدر الذي يشاء في المكان الذي يشاء ، فإن مثل هذا العدو يحظى بالأولية على غيره ، وتهديده مقدم على تهديد غيره من الأعداء .
  • النويا المعلنة : وهنا مربط فرس عملية ترتيب أولويات التهديد ، فقد يكون فارق القوة بيننا وبين الطرف الآخر أكبر لصالحه ، وقد يكون أقرب لنا من غيره جغرافياً ، كما أنه يملك من القدرات الهجومية ما يمكنه من الحاق الضرر بنا في الوقت الذي يقرر فيه ذلك ، إلا أنه ومن خلال الرصد والمتابعة والتحليل العقلي والمنطقي المبني على المعطيات والمعلومات الصلبة ، والبعيد كل البعد عن التبسيط والتسطيح أو التضخيم والمزايدة ؛ لا يملك نوايا عدوانية ــ معلنة أو مضمرة ـــ ضدنا وليس في سوابقة التاريخية أن اعتدى على غيرنا فضلاً عن الاعتداء علينا ، في مثل هذه الحالة ــ عدم امتلاك نوايا عدوانية ــ فإن مثل هذا الطرف مهما ملك من قدرات وقرب من جغرافيات ، لا يشكل أولوية آنية في سلم أولويات التعامل مع التهديدات والمخاطر الملحة والفورية ، مع عدم اسقاطه من الحسابات وتخصيص جزء من الجهد لمتابعته وما يمكن أن يطرأ على موقفه تجاهنا من تطورات .

كان هذا ما اتسع له المقال في هذا المقام ، على أن نستكمل في الجزء الثاني من هذه السلسلة ما تبقى من تحديات تعترض مسار بناء القوات ، لنختم بأهم مقتضيات السير في هذا الدرب الشائك الذي وصفه ربنا سبحانه بطريق ذات الشوكة الذي يشفي به سبحانه صدور قوم مؤمنين ويغيظ به المنافقين و الكافرين .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى