أخبارمقالات

لواكن من مُخلفات كيّ الوعي

✍️محمود مرداوي

نشأنا تحت غمامة البروباغندا والحرب النفسية التي توالت بالضخ دون توقف، تعبث في عقولنا وتؤثر على نفسياتنا بمنتهى المهنية وفق مخططات بعيدة المدى تفصيلية تُراكم لبناء مفاهيم وتُرسخ قناعات تشكل صورة ذهنية عن طبيعة العدو، قوته، قدراته الخارقة بالاستعانة بمشاهد وحروب ومعارك مثل فيها الطرف الوحيد في ظل غياب الآخر عدة واستعداداً، فتمكن في لحظة غابرة وغفلة سادلة من ترسيخ صورة كاتمة في العقل العربي أن ثمة جندي صهيوني لا يُقهر وجيش لا يُهزم في حقبة قاد فيها آباء المشروع الصهيوني هرتزل، بن غوريون، وايزمان، رابين ، بيجن، جولدا ، وشارون ، وآخرين …
بينما في المتراس الآخر بعيدا عن زحمة واكتظاظ المكتوب نتائج الحروب أظهرت حجم الدمار والحطوب.
غياب التخطيط ما قبل المعركة في التسليح والإعداد وأثناء المعركة إدارة وقيادة ، وما بعد المعركة مراجعة واستخلاص عبر رسخت أن لاعبا وحيدا كان في المشهد يرسم فصوله ويحدد نتائجه ، ووظف مشاهده ورواياته المبالغ فيها وقصصه الخيالية من نماذج الجندي سفيكا على جبهة الجولان الذي هزم كتيبة دبابات.
إن أوصاف ومصطلحات ألوية النخبة والوحدات الخاصة واليد الطولى وحتمية الانتقام وُظفت حفارات في العقل العربي تُحدث أخاديد بما يعزز الرواية والغاية من الدعاية.

هذا المشهد وهذه المعطيات استخدمها العدو في الدعاية فرسّخ أكاذيب في الوعي العربي تحولت حقائق مسلم فيها دون اختبار ، فمواجهة جندي لا يُقهر وجيش لا يُهزم وكأنك تختار الموت دون أن تملك فرص الحياة، والهزيمة دون إمكانية تحقيق النصر ، فأرخت حالة من الإحباط ونفسية مدمرة مسكونة باليأس.

في العقدين الأخيرين تزعزعت هذه القناعات ليس فقط بغياب الآباء المؤسسون في الكيان وتراجع الجندي والجيش، إنما في التغيير الذي حدث في المتراس الآخر بعد إذعان الجيوش الرسمية بعد استسلام القيادات السياسية وبروز مقاومة متحررة من القيود النفسية والمادية والمعنوية التي قيدت الجيوش التقليدية وخاضت مواجهات دون إذعان لتأثيرات مفاعيل الحروب النفسية ، معتقدة جازمة أن الجندي الإسرائيلي يُقهر وجيشه يُهزم.
ليس بالأقوال نظريا إنما بالأفعال عمليا في عدة مواطن في الحروب والمعارك والمواجهات الجماعية والفردية، فسقط القناع، ربما الجيش والجندي الاسرائيلي تلقيا تدريبا وتسليحا وإنفاقا أفضل وأكبر مما تلقاه الجندي في الماضي، لكن هُتك الحجاب وسقط القناع في الزمن الحديث وزالت الغشاوة ولم يعد يوسم بالقاهر المنصور دون قتال.
ما عاد بالإمكان خوض حروب ومعارك بدون قتال ولا قتلى ولا بيان ينهي الحرب متى يشاء الكيان ويتضمن الشروط وعلى الآخرين الوفاء.
ما عادت الحروب كما كانت ، والمواجهات كما صُورت، والقرارات كما اتُخذت في الماضي حتى فصلت مصطلحات الحروب المبررة والشاملة والاستباقية نظرا لقدرة قادة الكيان على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات، وجيش ينفذ ويُخرج السيناريوهات. اليوم يعيش الكيان عامين بدون ميزانية، وعامين ونصف بدون حكومة عادية يغيب عنها التخطيط والقدرة على اتخاذ قرارات التحدي المكلفة التي يقابلها استحقاق ويتبعها ردود واحتمالات تصعيد .
صراع وتدافع على المصالح الشخصية والحزبية بشكل طاغ أصبح جزءا من الحوار الجماهيري .
انتخابات رابعة تفشل في تشكيل حكومة وعلى أعتاب خامسة لا يُقرأ أنها الأخيرة ، كل عوامل القوة وروافع النهضة العلمية والتكنولوجية في المجال المدني والعسكري والاستخبارية في مجال المعلومات، كلها جاءت بفضل ملايين المهاجرين ومنح الدول التي تعيش عقدة الهولوكوست، لكن تُرجمت لحضور واحتلال يهود يستوطن يحاصر يهزم جيوشا في الماضي، لكنها تمر في مرحلة ضمور وأفول.

فراغ يعيشه الكيان يصل قواه السياسية إلى حد اليأس من احتمالية الخروج من هذا الوهن وحالة الضعف القيادية والإدارية للدولة ومصالحها.
وعلى صعيدنا في المتراس الآخر ذاب صنم شمع الجندي الذي لا يُقهر في العقل العربي أصبح في ذهن العرب أن الجيش الاسرائيلي يُهزم ، ولم يكن الخلل قط في العربي بسماته وقدراته ومؤهلاته، وإنما في إرادة القيادة العربية المهزومة وصفات آباء المشروع المؤسسون للكيان.

فغياب القادة المؤسسون يعني غياب العقلية الثورة، وحلول العقلية السياسية مكانها.
فالقيادات الثورية لديها القدرة على اتخاذ القرار والحسم في القضايا المفصلية، والاستعداد لتحمل التبعات، لانها تهتم بالصالح العام وليس بمصيرها الانتخابي.
وهذا من السنن الكونية؛ التي لا تحابي احدا.

عندما تقول فراغ يقال لك ولكن ،،،
مؤسسات الدولة تعمل.

عندما تقول تفاخر وإفشاء للأسرار وبعكس سياسة الغموض والكتمان ،،، يقال لك وما شأن هذا بذاك.

عندما تقول يعجزون عن اتخاذ القرار ويؤجلون الحلول للتحديات يقولون لك ولكن،،، يستطيعون عندما يريدون .

وعندما تقول أنهم يذهبون ليشكونا في الأمم المتحدة يقال لك وما العيب في ذلك؟
عندما تقول الجريمة ترتفع والدافعية للتجنيد تنخفض، ومكاتب التسجيل للوظائف الإدارية تزدحم، وانخفاض اختيار الخدمة في الألوية القتالية تضطرد ، وإصرار 23% من الحريديم من مجمل الجمهور للعيش على حساب العلمانيين من خلال عدم التجنيد ورفض العمل في سوق الإنتاج والاكتفاء في التعليم في المدارس الدينية يقال لك ،،،ولكن.

إن عوامل القوة وروافع النهضة ومعايير سلم التطور تُمس وتضعف تباعا وباضطراد، فهي من أمنت أمن الكيان القومي ورسخت احتلاله وملّكته أدوات حتى أنجز ما أنجز على حساب العرب في شتى المجالات ، فبسقوط الصورة الذهنية للجندي الذي لا يُقهر والجيش الذي لا يُهزم والعقل اليهودي المميز وبداية تخلص العقل العربي غير الرسمي من مؤثرات الدعاية التي رُوجت والصورة الذهنية التي رُسخت، والهوية البصرية التي صُنعت لا ينبغي للواكن أن تستمر إلا في سياق البحث والتبين والاطمئنان والتمكن من هضم الفكرة واستيعاب المتغيرات .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى