أخبارتقارير و دراسات

اقتصاد الحرب … الركائز الرئيسية

الهدهد/

✍️⁩ عبد للله أمين الخبير العسكري والاستراتيجي

إنها الحرب ؛ النشاط الأكثر تعقيداً في حياة البشرية ، إنها مزيج متفجر متكونٌ من الرغبات والقدرات والجغرافيات والبيئات والإرادات ؛ إنها صراع ما انفك منذ بدأ مع بدئ الخليقة يتطور مع تطورها ، فمن العصي والحجارة إلى البارود فالمدفعية مروراً بسلاح الجو وانتهاءً بشاشات الكومبيوترات ولوحات المفاتيح والكمرات والمايكروفونات . كلها مسخرة في سبيل هدف واحد ؛ فرض الإرادة على الطرف الآخر وسلبه القدرة على المناورة أو الحركة ، دفعاً به إلى الاستسلام والتسليم لما يريده غريمه أو عدوه . فإن تحققت الرغبات دون الإضطرار إلى سفك الدماء وتدمير المباني والمقرات ؛ فذاك ما يراد ، وإن استعصت الأهداف على التحقيق ؛ فلا بأس برفع وتيرة الضغوطات وتسخير ما يخدم من قدرات . ومع تطورها ؛ تطورت معها النظريات والوسائل والإجراءات ، إلى أن وصلنا إلى القرن الواحد والعشرين وبدأنا نسمع ونقرأ عن القوة الناعمة والقوة الخشنة وما ينتج عن مزجهما من قوة ذكية ، قيل أنها يمكن أن توصل إلى الأهداف وتحقق المصالح بأقل الخسائر ، وترفع من منسوب المغانم وتقلل من مستوى المغارم ، وقيل من ضمن ما قيل أن القوة الخشنة قد تدفع الدول والشعوب إلى التكتل وغض الطرف عن خلافاتها وتناقضاتها الداخلية في سبيل تعبئة الجهود والمقدرات لدفع التناقض الأهم الذي يمثله العدو الخارجي . لذلك نظّر المنظرون وحاضر المحاضرون أن زمن القوة الخشنة قد ولّى وأن زمن القوة الناعمة قد أقبل ، دون أن نغفل أنه مما يمنح المصداقية للقوة الناعمة ؛ ما يُرى ويشاهد خلفها من قوة خشنة ، وأنه قبل اللجوء إلى القوة الخشنة أو نصف الخشنة لا بد من طرق باب القوة الناعمة واستنفاد طرق عملها وإجراءاتها . من هنا وبناء على ما تقدم ؛ فإن الدول التي ترغب في تجربة حظها في حفظ مصالحها والدفاع عنها ؛ تحصي ما لديها من قدرات وإمكانيات في مجالي القوة الناعمة ونصف الخشنة وتعمل على تعبئتها باتجاه تحصيل المصالح ودفع المفاسد ، ومن هذه الإمكانات والقدرات ؛ الاقتصاد بكل تفاريعه وأقسامه ، من اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد البنى التحتية إلى اقتصاد الموارد الأولية وما قبل ذلك وما بعده من فروع الاقتصاد وأقسامه. وحتى تجدي هذه الوسائل نفعاً ؛ لا بد أن يتجسد الهدف المراد استخدام تلك الوسائل ضده بكيان أو دولة أو حركة أو مجموعة بشرية لديها من الإلتزامات تجاه شعبها ما يجعل منها ــ الإلتزامات ـــ مراكز ثقل قابلة للمشاهدة يمكن الضغط عليها من خلال تحول متطلبات الشعب اليومية والعمل على تأمينها ، أداة ضغط تستخدم عند الحاجة ، فيقع الكيان أو الدولة أو الحركة بين فكي كماشة تعتصره وتضغط على أعصابه ، أحد فكيها العدو المتربص في الخارج والفك الثاني الشعب ومتطلباته في الداخل . وحيث أن ما يصلح للدول المستقلة المستقرة لا يصلح في كله للدول المحتلة أو حركات المقاومة التي تصارع من أجل الحفاظ على الذات كأصلٍ للاستمرار ، ومن ثم تأمين ما يلزم من متطلبات الحياة الكريمة لحاضنتها الشعبية حتى تستمر معها في عملية النضال ، كان لا بد للدول في حالة الحرب وحركات المقاومة التي تسيطر على الأرض أن تعيد ترتيب أولوياتها وتخصص قدراتها بما يؤمن اللازم والملحّ من متطلبات الحياة تحت الاحتلال أو في المناطق التي تسيطر عليها حركات المقاومة ، حتى لا تتحول طبيعة الحياة فيها ونمط عيشها من النمط المقاوم المنتج بكثرة والمستهلك بالقدر المطلوب ووفقاً لأولويات المرحلة المعاشة ، إلى النمط المسرف الباذخ الباحث عن الكماليات والرفاهيات ، في الوقت الذي تحيط به المخاطر والتهديدات . من هنا جاءت هذه المقالة التي سنتحدث فيها عن أهم مواصفات وأصول الحركة الاقتصادية للدول المحتلة أو المحاصرة أو التي تعيش حالة حرب مع عدو قريب أو بعيد ، والتي من أهم ما تتصف به ما يأتي :

1. انخفاض مستوى الإنفاق المدني للخدمات والسلع :

إن أهم ما يمكن أن تتميز به حالة الحرب أو الحصار وما يمكن أن تتركه من أثر على العجلة الاقتصادية ، هو انخفاض مستوى الانفاق على الخدمات والسلع الكمالية والرفاهية من قبل أبناء المجتمع ، فما يصلح لحالات السلم من خدمات وسلع ؛ لا يصلح لأوقات الحرب والحصار ، وما يمكن أن يشكل أولوية في حالات الدعة والراحة ، قد يتحول إلى حالة من الترف والتبذير في حالة الحصار والحرب . فالدول صاحبة الشأن العالي في المجال الاقتصادي ، يهمها أن تنقل ـــ بقدر مسيطر عليه ومتحكم به ـــ جزء مما تتمتع به من نمط الحياة والرفاهية إلى باقي الدول ، حتى تتحول هذه الأنماط المجتمعية من الأكل والشرب واللبس وتسهيلات الحياة إلى لازمة لا يمكن التخلي عنها أو تصور العيش من دونها ، فإن كانت الدولة أو المجتمع المستهلك لهذه الخدمات والسلع لا يملك القدرة على تصنيعها داخلياً أو جلبها من جهات متعددة ، متى شاء وبالقدر الذي يشاء ؛ تحولت هذه السلع والخدمات إلى وسيلة ضغط وابتزاز وسلاح يشهر في وجه الدول والمجتمعات من أجل دفعها إلى التسليم بما يريد أعداؤها ، فتحصل الدول على ما تريد من أهداف بأقل الخسائر المادية والبشرية . لذلك كان لا بد من التفكر جيداً في مستوى الخدمات والسلع المطلوب توفرها للدول في حالة الحرب أو الحصار ، بناءً على سلم أولويات أصل الهدف فيه الحفاظ على الذات وتوفير المقدرات ، حتى يتم تجاوز الأزمات والملمات.

2. زيادة مستوى الإنتاج المجتمعي للخدمات والسلع :

وحيث أن الدولة أو الحركة أو المجتمع الذي يعيش حالة حرب ــ نشطة أو خاملة ـ لابد له من أن يقلص إلى الحد الأدنى والمعقول الاستهلاك في مجالي السلع والخدمات ؛ كما لابد له من تشغيل وتطوير عجلة الإنتاج المجتمعي للخدمات ولسلع المحلية التي تقوم مقام ما يجب أن يُستغنى عنه من الخارج ، فتحقق الدولة أو الحركة في هذا عدة أهداف تساعد في عملية الصمود وإطالة النفس إلى حين انتهاء الظرف الاستنثائي المتمثل بالحرب أو الحصار ، من هذه الأهداف على سبيل المثال لا الحصر :

أ‌. رفع كفاءة الأيدى العاملة المحلية وإكسابها الخبرات : من أهم ما يمكن أن يتم تحقيقه من خلال تقليل الاعتماد على المنتج الخارجي والاكتفاء بالمنتج المحلي ؛ رفع كفاءة الأيدي العاملة في مختلف المجالات والاختصاصات؛ السلعية والخدمية ، فكثرة العمل والممارسة وتحديات إرضاء أذواق مختلف الزبائن ، تزيد من خبرة الأيدى العاملة ، وتفرض عليهم رفع معايير جودة أعمالهم والخدمات التي يقدمونها لزبائنهم ، الأمر الذي يشكل رأس مالي معرفي وخبرات تستثمر في تطوير البلد بعد خروجها من ضائقة الحرب أو الحصار .

ب‌. رفع مستوى جودة المنتج المحلي : كما أن كثرة التكرار للمنتج الواحد وزيادة الطلب عليه ؛تزيد من تحدى رفع مستوى جودته ليلبي رغبات وأذواق المستهلكين ، الأمر الذي يشكل قيمة مضافة يمكن أن تستثمر على شكل سد حاجة السوق المحلية ، وتصدير الفائض إلى ساحات خارجية ، لتأمين موارد ومداخيل مالية تساعد في عمليات الصمود والتحدي للدولة ، وكذلك في تطوير وسائل انتاج السلع والخدمات ، وتحرير الدولة من ضغوط الديون الخارجة التي تشكل وسيلة من وسائل الضغط على الدول والحركات لسلبها إرادة التحرر وتحويلها إلى كائنات تابعة للخارج .

ت‌. التخلص من التبعية الخارجية وحرمان العدو من وسيلة ضغط : كما أن مثل هذا التوجه والقرار يحرم العدو من أداة ضغط ووسيلة ( قتال ) يمكن أن يستخدمها على شكل غضب مجتمعي من خلال حرمان السوق والمواطن من نوع معين من السلع والخدمات كان يورّده له وقت السلم ، فإذا وقع الخلاف تحولت هذه الخدمات وتلك السلع إلى وسائل ضغط يحاول من خلالها العدو فرض إرادته على الدولة أو المجتمع أو الحركة المقاومة له ولغطرسته وسطوته .

3. سيطرة الدولة على الموارد واعادة توجيهها بناء على منظومة أولويات محددة :

وحيث أن أهداف الدولة أو الحركة أو المجتمع وقت السلم تختلف عنها وقت الحرب والحصار ، ولما كانت الموارد في مثل هذه الظروف المذكورة ، إن لم يكن لها منشأ داخالي من حيث المصادر ووسائل الإنتاج تبدأ في النضوب حتى الاضمحلال ، كان لا بد للدولة وللجهات التي تتصدر مشهد المسؤولية من أن تعيد ترتيب الأوليات الكلية للمجتمع والمواطن وتخصص القدرات المادية منها والبشرية ، بما يخدم تأمين ما يتطلبه رد العدوان و/ أو الخروج من حالة الحصار بأقل الخسائر والأضرار ، ففي حالات الحرب والحصار ، الهدف الأول هو تأمين ما يحافظ على الذوات والحيوات ، وليس ما يجمل الحياة من خدمات وكماليات .

كان هذا ما اتسع له المقام ، مذكرين بأن وسائل الضغط الناعمة أو نصف الخشنة ذات استخدام مزدوج ، فهي في حالات الرخاء تستخدم ، مَنحاً لتغيير أنماط الحياة والعادات التي يعاد على ضوئها ترتيب الأولويات والاهتمامات ، وتستخدم منعاً في أيام الحروب والحصار كأدوات ضغط لفرض الإرادات وتمرير المخططات .

 

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى