أخبارتقارير و دراسات

تقدير الاستخبارات “الإسرائيلية”… قراءة في المغزى والمضمون

 

✍️ عبد⁩ الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

يمتلك الكيان الإسرائيلي مجموعة من أجهزة المخابرات والوكالات الأمنية المعنية بمتابعة التهديدات التي تواجهه على الصعيدين الداخلي والخارجي ، حيث يقف على رأس تلك الوكالات الأمنية ، الثلاثة الأكثر أهمية وهي : جهاز الموساد المعني بالعمل في الساحات الخارجية ، جهاز الشاباك المعني بالعمل في الساحة الدخلية ، جهاز أمان وهو جهاز الإستخبارات العسكرية التابع للمؤسسة العسكرية والذي يعد ( المقدر ) القومي للكيان ، حيث من مهامه صياغة تقدير الموقف الأمني للكيان ، لذلك فإن كافة الوكالات الأمنية الإسرائيلية مكلفة تزويده بما لديها من معلومات تحصل عليها من المصادر المختلفة . وحيث أن هذا الكيان يعد في شقه الداخلي كياناً (ديموقراطياً ) يراعي حق المواطن في المعرفة ، وحيث أن وسائل المعرفة والاستعلام ، المرئية منها والمسموعة والمقروءة فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعى التي اجتاحت العالم في العقد الأخير من هذا القرن جعلت المحافظة على سرية تداول المعلومات وتناقلها من المستحيلات ؛ فإن أجهزة الأمن أصبحت تسرب عن قصد وبشكل مدروس لبعض ما تصل له من تقديرات مواقف وما تمتلكه من معلومات عبر تلك الوسائل المشار لها سابقاً ، أو عبر المؤتمرات وورش العمل التي يشارك فيها ضباط تلك الأجهزة ومسؤولوها بشكل رسمي ، أو عبر وسطاء لهم مع تلك الأجهزة الأمنية صلات وصل وعلاقات عمل . وحيث أن التقديرات والتقارير المعلوماتية التي تتم صياغتها في أروقة تلك الأجهزة ومكاتبها تشكل المادة الأولية التي تصيغ وتبنى الدول وأصحاب القرار ، قراراتهم وخططهم بناء عليها ، كان لابد لنا من أن نحدد الأهداف التي تتوخاها تلك الأجهزة والوكالات الأمنية من خلف تسريب أو نشر بعض ما تُنتج من تقارير وتقديرات ، كون هذه المعرفة تقي المتابع من فخ الوقوع في حسن الظن المفضي إلى  التقاعس عن الاستعداد ورفع الجاهزية كنتيجة ، لزعم المعرفة بما لدى العدو ، فما هي الأهداف التي تقف خلف قرارات النشر أو التسريب ؟ نذكر أهمها على سبيل المثال لا الحصر ــــ والتي تشكل مجموعة الملاحظات على التقدير شكلاً ، ثم نختم بالملاحظات على التقدير مضموناً ـــ والتي منها :

  1. الإغراق المعلوماتي : في زمن التطور المعلوماتي وتعدد مصادر التلقي ووسائل النشر وإجراءات الوصول للمعلومات ـــــ السرية منها والعلنية ــــــ أصبح من المستحيل على الأجهزة الأمنية المحافظة على سرية المعلومات والإجراءات بنسبة مئة في المئة ؛ ما لم تخلد هذه الأجهزة إلى السكون وعدم الحركة والتوقف عن المتابعة ، الأمر الذي يناقض أصل الهدف من إنشائها ، لذلك وحتى تجعل الطرف الآخر في حيرة من أمره غارقاً في جبال الأخبار والمعلومات مختلفة المستويات من حيث الدقة والمصداقية ، فإنها تعمد إلى القيام بعمليات الإغراق المعلوماتي مستخدمة ما بين يدها من وسائل النشر والتوزيع ، مسببة للمتابع والراصد حالة من التخمة المعلوماتية والإخبارية التي يعجز معها من معرفة الغث من السمين ، فإن تحرك فعلى غير هدىً ولا يقين .
  2. التضليل : مما ترمي له أجهزة الإستخبارات والوكالات الأمنية من مبادرتها إلى نشر أو تسريب ما لديها من معلومات وتقديرات ؛ القيام بتضليل الطرف الآخر وجعله يبنى تقديراته وتصوراته على ما يتم نشره من هذه التسريبات أو على ما ينشر في الوسائل المفتوحة من معلومات ، الأمر الذي يدفعه للعمل وفقاً لبرنامج عمل تلك الأجهزة ، بحيث يحرفه عن متابعة أهدافه الرئيسية أو التركيز عليها وتخصيص قدراته لها ، أو توجيهه إلى أهداف أخرى تعد كمائن عمل تصطاد تلك الأجهزة أهدافها عندها .
  3. الردع : كما أن أحد أهداف الأجهزة الأمنية من النشر أو التسريب ؛ ردع الطرف الآخر من خلال القول له أننا نعرف عنك ما قد رأيت وسمعت وقرأت ، فما بالك فيما بقي طي الكتمان والستر ، ولم يفصح عنه ويذاع سره ، وهنا يدخل الطرف الآخر في حالة الـــ (توهان) وعدم اليقين فيما يعرفه عدوه عنه وما لا يعرفه ، فتتشكل لديه حالة من الردع النفسي قائمة على أن ما سيقوم به من إجراءات أو ما سيستخدمه من أدوات ؛ معروف مسبقاً ، وأفضل طرق السلامة ؛ الركون والسكون ؛ على الأقل إلى حين التثبت مما لدى الطرف الآخر من معلومات ، وهنا قد تضيع فرص وتهدر مقدرات .
  4. الاستطلاع بــ ( القوة ): كما أن الاستطلاع بــ ( القوة ) يشكل هدف من أهداف النشر والتوزيع ، من خلال انتظار رد فعل الطرف المسربة عنه المعلومات ؛ ميدانياً أو معلوماتياً ، فقد يعمد هذا الطرف إلى الرد على ما نشر بالنفي أو الاثبات أو الشرح أو التبرير ، وفي كل واحدة من هذه المواقف فائدة ترجى ومعنىً يصل إلى الجهة التي سربت ، كما أن الطرف المتضرر من التسريب قد يعمد إلى القيام بمجموعة من الإجراءات الميدانية التي قد تفيد في تثبيت ما تم نشره من معلومات أو إعادة توجيه عمليات الجمع لتصبح أكثر دقة ونفعاً .
  5. عدم تحمل المسؤولية عند الاخفاق : وهذا هدفٌ يرجى لدى الأجهزة والوكالات ، فهي تتلقى الدعم السياسي والتسهيلات الإدارية والموازنات المالية من أجل التنبؤ بما يجول في خاطر الخصوم والأعداء ، لدرء التهديدات وحماية المصالح ، فإن قصرت في ذلك ؛ وقعت تحت مقصلة المتابعة والمحاسبة ، وما لم تنشر أو تسرب بعض ما لديها ، فإنها قد تقف عاجزة أمام الجهات التي ستحاسبها ولن تجد من يدعمها ويصدّق روايتها عند الحاجة ، والتسريب هنا يعد أحد أدوات الحماية على صعيد الشخص والمؤسسة ، يقول وتقول عند الحاجة : قد قدرنا وأنذرنا ، وقمنا بمسؤولياتنا وما تبقى خارج إطار المسؤولية ، فليبحث عن كبش فداء في غير هذا المكان .

ذاك كان في الشكل ؛ أما في المضمون ، فقد أشار كل ما نشر أو سُرب إلى الآن إلى تطور التهديد في نطاقين :

  • النطاق الجغرافي:

جغرافياً بعد أن كان يتحدث الكيان من القديم عن دوائر التهديد التي تتسع إلى ثلاثة نطاقات عمل ، بدأ من الداخل ثم دول الطوق ثم الطوق الثالث الذي يشمل بعض الدول الإسلامية مثل باكستان والسودان ؛ دون أن يقوم بأي إجراء تعبوي تجاه هذه المناطق وإنما قَصَرَ الإجراءات على المتابعة المعلوماتية وتجنيد المصادر ، أصبح الآن التهديد في هذه النطاقات يتطلب إجراءات تعبوية ، فطائرات العدو بدون طيار أصبح نطاق عملها مدى طيرانها يغطي كامل التراب السوري مع جزء من مناطق غرب العراق ، وهو يطير أيضاً عبر الأجواء الأردنية واللبنانية بكل حرية ودون أن يعترضه أي تهديد ذو مصداقية يؤثر عليه ، محققاً بذلك (إشرافاً )معلوماتياً تستثمر نتائجه عند الحاجة .

  • النطاق الموضوعي أو الفني : أما من الناحية الفنية فإن نوع التهديدات التي تعترض العدو وكيانه الآن ، مضافاً إلى التهديد النووي الإيراني ، كتهديد جدي يقتضي التعامل معه القيام بأعمال تعبوية وأمنية رأينا بعضاً منها على شاكلة تفجير نطنز قبل عدة أشهر ، أو استهداف العقول العلمية الإيرانية والتي كان آخرها اغتيال العالم النووي محسن فخري زادة ؛مضافاً إلى هذا التهديد الكلي ، هناك تهديدات أكثر أولوية وأكثر مصداقية ــ على اعتبار أن الأسلحة النووية أسلحة للردع وليست للاستخدام ــ من هذه التهديدات :
  1. الصواريخ التقليدية بمختلف أنواعها ومدياتها : فهذه الصواريخ خطورتها في كثرتها ، ونقطة قوتها في طرق استخدامها وتشغيلها ، فمهما ملك الكيان أو حلفاؤه من قدرات قتالية مضادة لهذه الصواريخ ، فإنها ــ القدرات ــ تبقى عاجزة أمام هذه الصواريخ إن اتبع مستخدموها تكتيك غمر الهدف بالنار ؛ فإن تصدت وسائط الدفاع الجوي المعادية بمختلف أنواعها للرشقة الأولى ، فإنها ستعجز عن صد للرشقة الثانية الموجهة إلى نفس الهدف ، هذا فضلاً عن ارتفاع كلفة التصدي المادية وانخفاض كلفة الاستهداف ، الأمر الذي يرهق الموازنات المالية الدفاعية .
  2. الصواريخ الذكية : وهنا مكمن الخطر ؛ خاصة إن شُغّلت القدرات الصاروخيه ؛ الذكية منها والتقليدية ، ضمن منظومة نار واحدة على هدف واحد ، وليست كمصادر نار منفردة ـــ الأمر الذي نظر أنه حاصل ــ فرشقة الصواريخ التقليدية سوف تفتح مسارات الوصول وتطهر الأجواء أمام رشقات الصواريخ الذكية ، الأمر الذي سيرفع بشكل كبير من نسبة نجاح وصولها إلى أهدافها سالمة وتدميرها تدميراً كاملاً أو جزئياً .
  3. الطائرات بدون طيار التعبوية : وحتى يكتمل المشهد وتتقاطع النار على هدف واحد ، فإن الطائرات التعبوية بدون طيار والتي تحمل شحنات ناسفة ، يملك مشغلوها هامش مناورة كبير جداً في عمليات الاطلاق والتوجيه والإيصال على الأهداف المطلوب تدميرها ، فإن كانت الصواريخ الذكية أو التقليدية تسير في مسارات منحنية ثابة السمت والإتجاه ، غير قادة على المناورة أمام وسائط الدفاع الجوي المختلفة ؛ فإن الطائرات بدون طيار التي تحمل احداثيات الهدف المطلوب الوصول له ، كما تحمل أيضاً مساراً متعدد الاتجاهات والارتفاعات في عملية طيران من المقصد إلى الهدف تتوخى الوصول المباغت والأكيد ؛ فالصواريخ معلومة الجهة المنطلقة منها والسمت الذي ستصل منه ، أما الطائرات بدون طيار ؛ فإن كانت معروفة الجهة التي ستنطلق منها ؛ فإنها غير معلومة المسار الذي ستسلكه أو الجهة التي ستنقض منها ، وهنا الخطر كل الخطر .

إن كان هذا هو التوصيف السريع للموقف ؛ شكلاً ومضموناً ؛ فإن التوصية التي نرى أنها تناسب هذا الموقف هي : العمل على تطوير هذه القدرات القتالية لدى مختلف قوى المقاومة والداعمين لها ، ونظمها في منظومات قتال واحدة في مسرح عمليات واحد ، تُعرّف فيه مناطق المسؤولية والأدوار الإجرائية في عملية عسكرية تكاملية يسند بعضها بعضاً ويسد قويها عجز الآخر

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى