أخبارمقالات

نقاط القوة الإيرانية في مواجهة الغطرسة “الإسرائيلية”

✍️⁩عبد الله أمين الخبير الإستراتيجي والعسكري

لا يكاد يمر يومٌ دون أن يقرأ المتابع أو يشاهد المشاهد خبراً أو تحليلاً أو تصريحاً من الكيان ضد إيران ، يله ردٌ من إيران على الكيان ، كل يتوعد الآخر بالويل والثبور وعظائم الأمور ، فمن تصريح كوخافي الذي توعد بأن جيش كيانه يعد العدة ويحدث الخطط ويجمع الموارد تجهيزاً لضرب خمس مئة هدف داخل إيران ، راهناً الأمر بقرار سياسي ينتظر صدوره من جهات الاختصاص ، فيقابله الناطق بسم القوات المسلحة الإيرانية اللواء أبو الفضل شكارجي بتسوية تل أبيب بالأرض إن هي أقدمت على عدوان ضد أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية . أمام هذه التصرحيات والتصرحيات المضادة يظن المرأ أن المنطقة مقبلة على حرب أو هي موشكة عليها ، فتكثر التحليلات وتتوالى التقديرات ، كل يرى المسأة من زاوية نظر مختلفة عن الآخر ، إلا أننا في هذا المقال نود أن مناقشة الموقف الإيراني من حيث ما تملكة إيران من نقاط قوة في مقابل غطرسة الكيان الغاصب لفلسطين ، مذكرين بأصلان مهمان مرتبطان بمسألة مسار بناء القوات ومراكمة القدرات :

الأول :  أنه ليس المهم ــ على أهمية المسألة طبعاً ــ القدرة على مراكمة القدرات أو تعظيمها ، وإنما الأهم القدرة على تشغيل هذه القدرات وتفعيلها عند الحاجة لها ، وبما يتناسب مع تحقيق الأهداف السياسية التي من أجلها شُغلت هذه القدرات .

الثاني : ليس المهم أيضاً ما تملكه من قدرات ، وإنما الأهم ما تستطيع تشغيله أو تفعيله عند الحاجة له ، فالقدرة لها ما يقيدها ، وليس كل ما تملك الدول من قدرات ؛ قادرة على تفعيله لتنفيذ المهات .

هاذان أصلان مهمان يجب أن لا يغيبا عن ذهن القارئ أو المتابع أو صاحب الاختصاص الممارس لفعل بناء ومراكمة  القدرات وتطويرها والمحافظة عليها من أن تُعطب قبل تشغيلها .

بعد هذه المقدمة السريعة والأصلين السالفين ، نناقش أصل عنوان هذه المقالة والمرتبط بعناصر قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، راجين أن يساعد ما سيرد ، في القدرة على فهم وتقدير الموقف لمن يهمه الأمر . وسنعتمد على أربعة عناصر رئيسية هي عماد القوة وأصلها والجذر الذي منه تشتق ، غير مغفلين أن قياس قدرات الدول يدخل فيه مركبات أكثر ــ سياسية ، ثقافية ، علمية ، … ـــ بكثير مما سنورد كأصول ، الحائل دون ذكرها ــ عناصر قوة الدول ــ كثرتها واختلاف الرأي فيما هو أصل منها وما هو فرع ، ولعدم قدرة مقال سريع على الإتيان عليها مجتمعة . العناصر الرئيسية التي سنناقش من خلالها الموقف الإيراني من حيث القوة والضعف مقارنة بالموقف الإسرائيلي هي :

أولاً : البعد الديموغرافي :

لقد جعلنا العنصر الديموغرافي في مقدمة هذه العناصر كون الإنسان هو رأس المال الحقيقي الذي تراهن  عليه الدول وتبني به وله ومن أجله الخطط ، وبه ومعه تنجح أو تفشل ، إنه العنصر الذي يحوّل باقي العناصر الأخرى إلى قيمة مضافة ، مخرجٌ خير ما فيها ، مستثمراً النافع منها ومحيداً ما يمكن أن يجلب ضرراً ، فإيران بلغ عدد سكانها وفقاً لأرقام الإحصائيات لعام 2018  81 مليون نسمة ، يبلغ معدل الذكور فيهم 51 % ومعدل الإيناث 49 % ، كما تعد إيران من المجتمعات الشابة ؛حيث تبلغ نسبة الفئة العمرية ما دون 24 سنة والمتضمنة الشريحة العمرية من 0 إلى 14 سنة ما يقارب 49 % من التعداد السكاني . كما تبلغ الفئية العمرية بين 15 ــ 64 سنة ما يقارب من 70 % من التعداد البشري في هذه البلد . موزعين على مجموعة من العرقيات المختلفة ما بين فرس يشكلون 61 % من السكان إلى أذريين تقرب نسبتهم في المجتمع من 16 % إلى أكراد يمثلون 10 %   واللور الذين يمثلون 6 % من شعب إيران فعرب وبلوش كل منهم يحوز نسبة 2 % من السكان فقبائل تركية لا تزيد نسبتها عن 2% من السكان . ولقد نظم الدين الإسلامي هذه الفسيفساء في لوحدة فنية جامعة مانعة ، فنسبة 99.4 من السكان يدينون بالدين الإسلامي موزعين على المذهبين الشيعي والسني ، إلى أن اللافت في هذه التنوع أن هذا الخليط من الأعراق ؛ يُجمع على أنه إيراني أولاً ومن ثم أبن عرقه ثانياً ، فالقومية الإيرانية مقدمة عندهم على العرقية ، الأمر الذي جعل من هذا الخليط ؛ جسم متماسك صعب على الخرق ، وإن كان كسائر بني البشر لا يحوز الكمال وفيه الغث والسمين .

ثانياً : البعد الجغرافي :

أما عند البعد الجغرافي والتنوع الطبوغرافي والذي يعد من عناصر القوة التي تراهن عليها الدول ، ويحكم مسار بناء قواتها ؛ استعداداً وأسلحةً وصنوفاً وانتشاراً ؛ فحدث ولا حرج ، فمساحة إيران تبلغ 1648195 كم مربع من اليابسة تلحقها مساحة مائية تصل إلى حدود 116600 كم مربع ، فهي ــ إيران ــ تجلس في المرتبة التاسعة عشر في ترتيب الدول من حيث المساحة ، كما أنها تعد من الدول الجبلية حيث سلسلة جبال البرز التي تشمل قمة دماوند التي تعد أعلى قمة في منطقة غرب آسيا بارتفاع يبلغ 5671 متر عن سطح البحر ، وتحتضن العاصمة الإيرانية طهران  ،وتفصل شمال إيران عن وصطها والجنوب ، وهي ــ سلسلة جبال البرز ــ جزء من سلسلة جبال تمتد على طول شرق إيران حتى تتصل بسلسلة جبال الهندكوش في أفغانستان .  أما السلسلة الأخرى فهي سلسلة جبال زاغروس التي تشطر إيران من شمالها الغربي إلى جنوبها الشرقي ، ثم تأتي الهضبة الداخلية التي فيها من الصحارى والسهول ما فيها ، والتي تحدها شمالاً وشرقاً سلسلة جبال البرز ، ومن الشمال الغربي حتى الجنوب الشرقي سلسلة جبال زاغروس ، مكونة ــ سلسلة جبال زاغروس ـــ سداً منيعاً أمام أي محاولة اعتداء على إيران من الغرب انطلاقاً من منطقة الخليج العربي ، هذا باخصار شديد توصيف سريع لجغرافية إيران . ولا ننسى أن الشكل الهندسي لإيران يعد من أفضل أشكال الدول ، فهي دائرية الشكل مما يوفر لها عمقاً استرتيجياً مناسباً تنشر فيه مراكز ثقلها البشرية والسياسية والصناعية والعسكرية فيصعب استهدافها والحاق أضرار مميتة فيها .

ثالثاً : البعد الاقتصادي :

فإن كانت الدولة مترامية الأطراف ، كثيرة السكان ، فلا بد لها من موارد اقتصادية تعمر بها الأنسان والبنيان ، وإيران في هذا المجال لديها كعب عالٍ في كثير من الركائز الإقتصادية التي تبنى اقتصاداً حقيقياً مستداماً يشكل مورد رئيسي لتطوير البلاد والعباد ، فهي تملك 10 % من احتياط النفط العالمي ، حاجزة لنفسها المرتبة الرابعة عالمياً بعد السعودية وفنزويلا وكندا ، بذخائر نفطية مثبتة تبلغ قرابة 547 مليار برميل ، أما عن الغاز فهي بعد روسيا في ذخائرها التي تبلغ  18 % من الغاز العالمي ، أما عن المعادن التي تشغل المصانع وتبني البنى التحتية وترفد خزينة الدولة بالعملات الأجنبية ، ففي إيران 57 مليار طن من الاحتياطات المعدنية ، تشمل 21 مليون طن نحاس 1.2مليار طن فحم حجري 2.7 مليار طن حديد 2.6 مليار طن رصاص . فإذا أضفنا إلى ذلك طريقة العمل التي تنتهجها إيران فيما يخص الإنتاج والتصنيع وأنها تعتمد على الإنتاج المحلي والتصنيع الذاتي ؛ حتى لو قلت كفاءته في سبيل تطوير القدرات والمهارات ، وأنها تقوم بعمليات الهندسة العكسية لكثير من المنتجات الصناعية ، وأن ما يمارس عليها من حصار منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 فرض عليها الإنكفاء إلى الداخل والاعتماد على الذات ، فإننا سنرى تجربة محترمة يستفاد منها ، دون أن نغفل أنه كما فيها نقاط قوة ففيها نقاط ضعف ، ولكن أهم ما فيها أنها محلية أو كما يقال باللغة الفارسية أنها ( بومى ) أي وطني .

رابعاً : البعد العسكري :

إن هذه الديموغرافية متعددة الأعراق والأجناس ، وتلك الجغرافيات مترامية الأطراف ، والموارد الإقتصادية التي تُسيل اللعاب ، لابد لها من أيدٍ تدافع عنها ومؤسسة عسكرية تحميها ودرع يصد عنها عدو العادين وطمع الطامعين ؛ فكانت المؤسسة العسكرية الإيرانية المركبة من طبقتين ــ حرس الثورة والجيش النظامي ـــ  يعضد بعضها بعضاً ويكمل أحدهما نقص الآخر ، ضمن توصيف وظيفي دقيق يعرّف لكل منهما مجال عمله ومنطقة مسؤوليته ، وفيهما من الأسلحة البرية والبحرية والجوية وصنوف الإسناد النارية والإدارية ــ الجوية والبرية ــ  ما يؤمن المصالح المادية منها والسياسية ، وما يردع العادين ويردهم ، فهذه الدولة لديها من اللائقين للخدمة العسكرية ما يقارب 1.4 مليون شخص سنوياً ، ولديها في عديد القوات العاملة ما يقارب 545 ألف جندي يردفهم في الاحتياط ما يقارب 1.8 مليون شخص ، بميزانية سنوية لا تقل قدرت عن 6.3 مليار دولار حسب أرقام 2015 . فلا تعوز هذه المؤسسة الموارد المادية أو البشرية مترافقة مع الإرادة السياسية للبناء في وقت السلم ، وقرار التشغيل عند الحرب .

فأين من هذه الدولة المترامية الأطراف ذات التاريخ الذي يرجع إلى آلاف السنين الغابرة ؛ أين منها دولة ــ الكيان الصهيوني ــ أنشأت في غفلة من زمن ، لا تكاد مساحتها تساوي مساحة بعض محافظات إيران ، فاقدة للعمق الإستراتيجي ، محاصرة من الخارج ، تحمل في أحشائها سبب موتها بما فيها من تنقاضات عرقية ومذهبية ودينية ، يطاردها أبناء الجيل الثاني ممن احتلت أرضهم في كل حي وكل مخيم ، قال فيها وفي سكانها ربنا سبحانة ” تحسبهم جمياً وقلوبهم شتى ، ولولا حبل الله الذي يمدهم به لحكمة يعلمها سبحانة ثم حبل الناس الذي مُد لهم اتقاء شرهم ودفعاً لهم عن الأمكان التي خرجوا منها  ، فلا يعودوا لها فيفسدوها كما أفسدها أجدادهم  السابقين ، لولا هذه وتلك ؛ لما بقيت إلى الآن ولما طال عليها الزمان . لذلك إن كنا ناصحين لها ولقادتها وضباطها فإننا نقول لهم : لا تسدروا في غيكم ولا تطيّش القدرة الحالية عقولكم ولا تسرعوا بنبش قبولكم بأيديكم ، فإن كنتم أمام حفنة من المجاهدين في فلسطين ولبنان غير قادرين ، فأنتم أمامهم وأمام داعميهم ، إن أخطأتم ستعودون صاغرين .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى