أخبارمقالات

وَهنِ القوة !!! “الجُزء الثاني”

✍️الخبير العسكري والأمني أ . عبد الله أمين

تحدثنا في الجزء الأول من هذه السلسلة عن القوة وكيف يمكن أن تَهِن إذا لم يعرف المالك لها عوامل ومسببات هذا الوهن ، فتغدو هذه القوة عبئاً ثقيلاً بدل أن تكون قيمة مضافة ، تدفع تهديداً أو تحصل مصلحة وتدافع عنها . وقد ذكرنا في الجزء الأول أن أحد أهم العوامل التي تفتُّ في عضد القوة وتوهن عزمها وتفقدها قيمتها ؛ الخلل في تعريف المهمة التي من أجلها يتم بناء ومراكمة وتشغيل هذه القوة . ونكمل في هذا الجزء من السلسلة بعضاً من العوامل الأخرى التي تضعف القوة وتفتُّ في عضدها ، والتي منها :

1. خلل في تعريف النصر :
كما أن من عوامل وهن القوة والفتُّ في عضدها ؛عدم مقدرة القيادة السياسية على تعريف النصر الذي يجب أن يتم الوصول له بأسرع الأوقات وبأقل الأثمان ، فعدم القدرة على تعريف النصر أو التغافل عن تعريفه سوف يؤدي إلى خلل في وضع الخطط التعبوية التي سينفذها القادة العسكريون ، الأمر الذي يعني تعبوياً قصوراً في تخصيص القدرات المادية والبشرية فتقع الهزيمة ويبتعد النصر ، أو قد يفضي خلل التعريف إلى زيادة في تخصيص القدرات في الزمان والمكان غير المناسبين فتزيد الخسائر . والخلل في تعريف النصر عامل مهم من عوامل وهن القوة وعدم القدرة على تفعيلها بالشكل الصحيح ، الأمر الذي يفضي إلى تبذيرها وصرفها في غير مصرفها ، أو الضن بها في المكان الذي يجب أن تستثمر فيه .

2. خلل في معرفة العدو :
كما أن من عوامل الوهن وتحلّل القوة ؛ عدم معرفة العدو المقابل لك ، فقد قيل قديماً على لسان الحكيم صن تزو المقولة الشهيرة ، من عرف نفسه وعرف عدوه ؛ انتصر في كل معركة يخوضها أو منازلة ينازلها. إن عدم معرفة العدو كمعرفة كف اليد يعني ، عدم القدرة على تحديد المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تصدر عنه ، مما يفضي إلى عدم تخصيص القدرات في المكان والزمان المناسب ، أو الضن بها وعدم استخدامها حيث يجب أن تستخدم ، الأمر الذي يسبب الهزيمة ، وفقدان القوة لمبرر وجودها . كما أن القصور في عدم معرفة العدو بالشكل الصحيح يعني فيما يعني ؛ عدم معرفة نقاط ضعفه التي تشكل مقتلاً له فنأتيه منها ، وعدم معرفة نقاط قوته التي يجب أن نتجنبها أو ندبر لأنفسنا تدبيراً يقينا شرها ، فحربنا مع عدونا حربٌ غير متكافئة في القدرات والإجراءات ، وأصل أصول الحرب غير المتكافئة ؛ معرفة نقاط قوة وضعف الخصم ، ومعرفة نقاط قوتنا وضعفنا ، ومن هذا الأصل تشتق باقي الأصول وتستنبط الإجراءات ويوضع مسار بناء القدرات .

3. قصور في معرفة الأرض :
كما أن من العوامل التي توهن القوة وتجعلها غير ذات جدوى ؛ قصور القائمين على تشغيلها في معرفة الأرض التي سيتم تفعيلها فيها وعليها ، فالأرض تقتل جاهِلَها ويقتُلها عالِمُها ، والقصور في معرفة طبوغرافيتها وديموغرافيتها يعني السير على غير هدىً في حقل ألغام غير منظم ، والخلل في معرفتها يعني قصوراً في معرفة نوع القوة التي ستتحرك عليها ــ صنفاً وتركيباً واستعداداً ـــ ، فليست كل قوة قادرة على التعامل بنجاح مع أي تهديد في أي أرض ، فلكل أرض خصوصية ، ولكل طبوغرافية وديموغرافيا ما يناسبها من تشكيلات وقدرات وإجراءات .

4. الثقة الزائدة عن الحد في الذات والقدرات :
كما أن المبالغة في توصيف الذات يفضي إلى وهن القوة ؛ وهنٌ في البناء إبتداءً ناتج عن خلل في تحديد الاحتياج الحقيقي المطلوب ، كنتيجة للمبالغة في توصيف الذات والثقة الزائدة عن الحد في القدرات المملوكة والمتاحة ، الذي يعمي عن رؤية نقاط الضعف ، ووهن في تشغيل هذه القدرات انتهاءً والذي يأتي كمحصلة لعدم تشغيل المناسب من القدارت لمواجهة التهديدات الناتج عن (نفخ) الذات.

5. عدم القدرة على تحمل اكلاف ومخاطر التشغيل :
ومما يدفع إلى ضعف القوة ووهنها ؛ عدم القدرة أو الرغبة في تحمل أكلاف تشغيلها عند الحاجة ، فتشغيل القدرات لايتم في عالم الفراغ ولا بشكل أحادي ، حيث أن التشغيل من طرفنا يواجهه تشغيل من طرف العدو ، وتفعيل القدرات العسكرية من ميزاته ونتائجه أنه كما يجر نصراً قد يجر دماراً وخراباً وزهقاً للأرواح على طريق النصر وتحصيل المغانم ، فإن لم تكن الجهة التي تريد أن تشغل هذه القدرات ، قادرة على تحمل دفع المغارم في سبيل تحصيل المغانم ؛ فإنها ستقف عاجزة عن تشغيل ما تملك من قدرات، بصرف النظر عما تملك وما تملك ، مؤثرة السلامة التي تورث عند مواجهة التهديدات الندامة .

6. خلل في التماسك :
إن القوة عبارة عن مركب من عناصر صلبة وأخرى مرنة ، وما لم يتم مزج هذه العناصر مع بعضها البعض بشكل جيد بحيث تكّون مزيجاً متجانساً متماسكاً فإنها ستغدو هشة سهلة الكسر أو الطي ؛ وإن بدا قوامها الخارجي متماسك متناسق ، ومن أهم العوامل التي تجعل هذا المزيج متماسكاً متناسقاً ، يعجب الزارعين ويغيظ العادين ، ما يلي من عوامل التمتين :

1. المركزية :
إن هذه القوة وتلك القدرات إنما تريد أن تجبه خطراً أو تحصل مصلحة وتدافع عنها ، وما لم تكن الجهة التي تشغلها وتوجهها جهة واحدة ملمة عارفة بالصورة الكلية التي تتحرك القوة في إطارها ، فتركزها في الاتجاه الرئيسي ، وتخفف ضغطها في الاتجاهات الثانوية ، وتكمن في مكان لتفعّل في مكان آخر ، ضمن رؤية كلية شاملة وترتيب للأولويات يراعي أصل الهدف الذي من أجله جمعت وروكمت وتحركت ، ما لم تكن هناك جهة واحدة تفعل ذاك الفعل ، فإن الطاقة الكامنة في هذه القوة ستتبدد وتتلاشى وتغدو أثراً بعد عين .

2. الانضباط :
ومن عوامل تماسك وتجانس ذاك الخليط ـ خليط القوة المركب من عناصر بشرية وأخرى مادية ـ الانضباط في الفعل وفي رده ، فلا يشغّل جزء منها دون إذن من المركز الذي يرى وينسق ويحرك ، فقد يتحرك جزء ما باجتهاد من نفسه ؛ فيكشف فعل جزء آخر يتحرك لتنفيذ مهمة تخدم في تحقيق أصل الهدف الذي يُعمل عليه ويضحى في سبيله ، وبالانضباط ــ استقم يا سواد ـــ تبنى الرهبة والرعب الذي ينال به النصر دون قتال .

3. التراتبية :
ومالم تكن هناك تراتبية ؛ يعرف من خلالها كل واحد ما له وما عليه ، وتوصيفه الوظيفي ومسؤولياته ومهامه الملقاة على عاتقه ، وما بيده من صلاحيات ، وما يضبطه من ضوابط ، ما لم تكن هذه التراتبية مقرة معترف بها وبما ينبني عليها ؛ فلن يكون هناك انضباط ولا مركزية ، فالتراتبية ـــ المادية والمعنوية ـــ هي التي تحدد المسؤوليات التي على ضوئها تبنى وتخصص القدرات .

4. الروح المعنوية :
فالجندي الفرد والتشكيل الجماعي ، قبل أن يقاتل بما يملك من أدوات ومعدات ، فإنه يقاتل بما يختزنه في نفسه من معنويات ومحرضات ، فقد تملك المال لبناء الجيوش والتشكيلات، ولكن المال لا يجبر الجيوش على القتال ، وكما قيل في المثل : قد تستطيع أن تأخذ الحصان إلى النهر ، ولكنك لن تستطيع أن تجبره على شرب الماء ، والجيش المنتصر هو ذاك الجيش الذي يقاتل بأفراد يحملون أدوات ومعدات ، وليس الذي يقاتل بأدوات ومعدات يشغلها الأفراد . والروح المعنوية التي هي أصل الجاهزية القتالية ، والتي يعد العمل على إيجادها وبنائها والمحافظة عليها من أهم مهام القائد . والجاهزية إنما هي قدرات تبنى وإرادة توجد وتُتعهد حتى لا تتحلل وتذوب ، وفي هذا يطول الكلام ولا يتسع المقام .

5. الاكتفاء الذاتي :
ومن عوامل التماسك والتجانس ؛ الشعور الفعلي والنفسي لدى التشكيل وقادته وجنوده أنهم في المهام التي أوكلت لهم مكتفين ذاتياً من الناحيتين المادية والمعنوية ، فلا ينقصهم المال ولا الرجال ولا الصلاحيات أو السلطات التي تخولهم تفعّيل ما تحت إمرتهم من صنوف وتشيكلات . إن هذا الشعور الفعلي يجعل الجندي قبل القائد يشعر أنه يرتكز إلى ركن شديد وسد منيع ومصادر قوة لا تنضب ، وإن نضبت مرحلياً فإن القدرة والسرعة على التعويض والإحلال كبيرة ، فترتفع الروح المعنوية ومستوى الإنضباط والمركزية .

6. التدريب :
والتدريب من العوامل التي تساعد بشكل كبير على تماسك المقاتل الذي يعد النواة الرئيسية في التشكيل ، فبالتدريب يعرف المقاتل مكانه في التشكيل والمهمة المناطة به ، وكيف ومتى يتحرك ، وكيف يحول الاحتكاك إلى طاقة حركة تدفعه إلى الأمام ، وفي التدريب يعرف المقاتل قبل التشكيل سلسلة القيادة التي سينضبط بأمرها ويمركز حواسه لسماع أمرها ، فتنتسق الحركات وتنتظم الجهود وتحقق الأهداف بأقل مجهود . وفي التدريب وبه يثق المقاتل بسلاحه وبرفيق سلاحه الذي يقاتل وإياه جنباً إلى جنب وكتفاً إلى كتف ، وفي التدريب وبه يعرف المقاتل كيف يستفيد من الأرض فتصبح قيمة مضافة تقاتل إلى جانبه ، بدل أن تصبح عبئاً يثقل كاهله .
ونختم هذا المقال عند هذا المقام ، على أن نتحدث في الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة عن أحد عومل وهن القوة وضعفها والمتمثل بعدم معرفة المحددات التي تحد من القدرة على استخدامها عند الحاجة بكامل طاقتها ، ما لم يكن الآمر والمقاتل ينوي ( الانتحار ) ويقاتل لأجل القتال ، والحرب عنده غاية وليست وسيلة .

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي