أخبارتقارير و دراسات

بناء التحالفات … الثوابت والمُتغييرات (الجُزء الثاني)

✍️ الخبير العسكري والأمني أ . عبد الله أمين

تحدثنا في الجزء الأول من هذه المقالة عن الدولة وطبيعة تكونها وأنها إنما قامت على أساس جلب المصالح لعموم شعبها ، ودفع التهديدات عنهم ، وقلنا أن الدول تعمد إلى بناء شبكات علاقاتها وتحالفاتها فيما يخدم مصالحها أو يساعدها في دفع التهديدت عنها ، كما قلنا أن هذه العلاقات في ذاتها إنما هي علاقات تخادمية وظيفية بحيث يؤدي كل من طرفي العلاقة خدمة للطرف الآخر ؛ أكانت تحصيل منفعة أو دفع مفسدة ، وحتى تحافظ الدول والكيانات على صداقاتها وتحالفاتها لا بد لها من أن تزيد من مستوى التشبييك والتقاطع بين مصالحها ومصالح حليفها ؛ فالحلف والصداقة أو العلاقة قد تتعرض لانتكاسة أو فتور أو جمود إذا تعرضت شبكة المصالح تلك إلى أي ضرر يفسدها أو يقطّع من خيوطها . وسنتحدث في الجزء الثاني والأخير عن بعض المتغييرات التي قد تطرأ وتحدث ، فتؤثر في التحالف أو العلاقة ـــ قوة أوضعفاً ــ بين كيانين سياسيين أو طرفين مجتمعين على مصلحة واحدة أو يتشاركان التهديد عينه .

المتغييرات في بناء التحالفات :
قد يعترض العلاقة أو التحالف ما يعكر صفوها ويحل أو يضعف عقدتها ، أو يزد من متانتها وقوة عُقدها ، الأمر الذي يجب أن ينتبه له ولا يغفل عنه ويبقى تحت مجهر المراقبة ، حتى لا يتفاجئ أي من طرفي العلاقة أو التحالف بنكوص شريكه أو تقصيره فيما يترتب عليه من التزامات تجاه هذه العلاقة والتحالف ، أو تفويت فرصة تقوية هذه العلاقة وزيادة متانتها . وهنا نذكر مجموعة من المتغيرات التي تترك أثرها على مدى قوة التحالف أو الصداقة ، آخذين بعين الأعتبار أن المتغييرات التي سنتطرق لها ؛ إنما هي من باب سرد الأهم وليس حصر الكل . ومن أهم هذه المتغييرات :

1. البيئة :
قد يطرأ على البيئة التي تتحرك فيها الدول والحركات والأطر السياسية تغييراً جغرافياً أو ديموغرافياً أو صحياً أو … يجعلها تعيد حساباتها التي على أساسها عقدت التحالف أو بنت العلاقة ، فتزيد من قوتها أو تخفض من مستواها ، فعلى سبل المثال وطبقاً للاحصائيات المنتشرة فإن 80 % من سكان دولة الإمارات العربية هم التابعية الآسيوية ، خصوصاً الهندية ، و 10 % من السكان هم من حملة الجنسيات العربية والأوربية على اختلافها و 10 % من المواطنين الأصليين ، لذلك فإن الإمارات تتحرك داخلياً في بيئة هشة جداً مما يجعلها مضطرة لنسج أفضل العلاقات مع الهند ، كما أنها تستخدم ما لديها من الجنسيات العربية كورقة ضغط على دولهم لتحصيل تنازلات تخدم مصالحها ــ الإمارات ــ وتحقق أهدافها ، كما أنها تحرص كل الحرص على مراعاة خاطر الدول التي يشكل مواطنوها الغالبية العظمى من الوافدين العاملين في سوقها المحلي ، وفي مختلف الأعمال والتخصصات .

2. القيادات :
كما يمكن أن تعيد الدول مراجعة تحالفاتها وعلاقاتها مع غيرها من الدول عندما تتغير القيادات التي بيدها مقاليد الحكم والقرار ، فعلى سبيل المثال إن كانت الدولة فيها تداول سلمي للسلطة بطرق ديموقراطية فإنها قد تلجأ إلى مراجعة شبكة علاقاتها وتحالفتها تبعاً للحزب أو المجموعة السياسية التي تتولى السلطة بعد فوزها في الانتخابات ، فتقوى ما يتقارب مع الفكر والأيدلوجيا التي تتبنى الطبقة الحاكمة الجديدة ، وتهمش ـــ الطبقة الحاكمة الجديدة ـــ العلاقة مع من لا يتلاقون معهم في زاوية النظر والمنطلقات والمنظومة القيمية التي يرون من خلالها العالم . فأمريكا مثلاً كانت سياستها التقليدية منذ كيسنجر فيما يخص التعامل مع الصين وروسيا هي : التقرب من الصين وتقوية العلاقة معها من أجل احتواء روسيا ، إلى أن استلم السلطة الرئيس ترامب المنتهية ولايته ، فعمد الى عكس هذه الاستراتيجية فصعد مع الصين ورفع مستوى التوتر معها ــ هو لم يترك أحداً لم يوتر العلاقة معه ــ وتقرب من روسيا وقوى العلاقة معها.

3. السياسات :
كما أن الدول قد تعيد مراجعة سياساتها ومنطلقاتها في بناء العلاقات وعقد التحالفات ، فينتج عن هذه المراجعة إعادة ترتيب شبكة علاقاتها ، فتقدم هذه وتؤخر تلك . فعندما تكون سياسة الدولة على سبيل المثال سياسة دفاعية ، فإنها تبحث عمن يساعدها في تثبيت هذه السياسية ويحفظ أو يراعي لها مصالحها من الدول القريبة والبعيدة ، وعندما تتبنى سياسية خارجية غير منحازة لطرف من الأطراف كدول عدم الانحياز مثلاً ، فإنها لا تبذل كثيراً من الجهد في ترتيب علاقاتها وتحالفاتها كونها ترى أن مصالحها غير مهددة وممكن الحصول والحفاظ عليها ؛ كيف لا وهي لا تهدد أحداً ولا تميل مع طرف باتجاه طرف آخر .

4. العلاقات :
كما أن الدول والكيانات تعيد ترتيب تحالفاتها وصداقتها عندما تبني علاقات مع جهات معينة لديها عندها مصلحة أو تخشى من طرفها تهديد ، فتجبر على اعادة النظر في تحالفها أو علاقتها مع دولة أو كيان أو حركة معادية أو منافسة لتلك التي لديها عندها مصلحة أو تخشى جانبها ، على قاعدة أن عدو عدوي صديقي ، وصديق عدوي عدوي ، فإيران مثلا ً أعادة ترتيب علاقتها مع حركة طالبان وهي التي كانت تناصبها العداء عندما كانت هي السلطة الحاكمة لأفغانستان قبل الاحتلال الأمريكي عام 2001 على قاعدة تشارك الطرفين في العداء لأمريكا بروز الأخيرة كعدو وتهديد فعلي حالي لكليهما .

5. القدرات :
وتعيد الدول نسج شبكة علاقاتها وتحالفاتها بما يؤمن لها سد العجز وتغطية نقاط ضعفها أمام التهديدات والمخاطر ، ولما تجد الدولة أو الكيان السياسي أنه أصبح قادراً بذاته على سد عجزه وتغطية نقاط ضعفه بما يملك من قدرات وإمكانيات ، فإنه يتخفف من ثقل الالتزامات التي تفرضها عليه هذه العلاقات والتحالفات ، فشبكة العلاقات والتحالفات ، كما أن فيها مغانم وخيرات ؛ فإنها لا تخلو حكماً من المغارم والمنغصات .

في الختام لا بد من القول أن الدول والحركات والكيانات السياسية حتى تحافظ على علاقتها وتحالفاتها ؛ فإنها بحاجة إلى نسج أوسع شبكة من المصالح والمشتركات مع صديقها أو حليفها ، كما أنها يجب أن تراقب مجموعة المتغيرات التي جئنا على ذكرها سابقاً ــ وغيرها من المتغييرات ــ ومدى أثر تغييرها على تغيير سلوك الحلف أو الصديق تجاهنا ، ولا بد من تذكر القواعد السياسية التي يتعلمها طلاب العلوم السياسية في سنتهم الأولى والتي منها أن الثابت الوحيد في السياسة هو المتغير ، وأن لا صداقات دائمة ولا عداوات أبدية ، وإنما مصالح دائمة ، وأن شعرة معاوية يجب الحفاظ عليها وعدم قطعها مع أي كان ، وأنه يجب البحث عما يحول تلك الشعرة إلى حبل غليظ ولا يجب التضحية بها ، فبقاؤها يعني بقاء إمكانية وصل ما انقطع وترميم ما تضرر .
كان هذا ما اتسع له المقال في هذا البحث الذي نعتقد أنه يجب بسطه ومناقشه ثوابته ومتغيراته ، بعيداً عن العواطف والأمنيات ، إنما ارتكازاً إلى الحقائق والمعطيات .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى