أخبارتقارير و دراسات

عملية حد السيف ومبادىء الحرب

الهدهد/ جبريل جبريل

“في خريف العام 1918، شنت القوات الأمريكية هجوم “ميوز أرغون” على الجبهة الغربية، وكانت واحدة من أكبر المهمات المسندة للقوات الأمريكية في الحرب العالمية الأولى، لكن الاتصالات في الميدان كانت تتعرض للاختراق من قبل الألمان حيث نجحوا في مراقبة خطوط الهواتف، وتعرضت الخطط الحربية الامريكية لكثير من الفشل بسبب هذا الاختراق.”

لكن الحل جاء عندما استمع نقيب في الجيش الامريكي بالصدفة إلى حوار كان يدور بين اثنين من جنود قبيلة تشوكتو، حيث كانا يتحدثان بلغة قبيلتهما الخاصة والتي لا يعرفها أحد من خارج القبيلة، ومن خلال إدراك هذا الضابط لإمكانات الاتصال، تم اجراء اتصال تجريبي بين جنديين من هذه القبيلة كل واحد منهما في موقع اخر، حيث نقلت رسالة بلغتهما عبر الهاتف ومن ثم ترجمت الى الإنجليزية، وولدت من هذه اللحظة “فرقة اتصالات تشوكتو الهاتفية”، بعد ذلك تم تأمين العمليات الحربية الامريكية.

أهمية الاتصالات العسكرية تكمن في أنها تحقق التحكم والسيطرة على القوات، كما أنها تؤمن القوات المقاتلة بما يلزمها من معلومات جيدة وفي الوقت المناسب، لذا يجب أن تتوفر لها الحماية التامة ضد تدخل العدو بالتجسس والإعاقة، وهذا ما فعلته المقاومة في عملية حد السيف بحسم وحزم لا يقبل المساومة أو التردد.

فلقد قالوا بلغة العسكرية: “الاتصالات عصب الجيش” وأقول بل هي جل الجيش، وهذا ما تدركه المقاومة في غزة والعدو “الإسرائيلي” على حد سواء، كيف؟؟

من تتبع تحليلات الكتاب العسكريين في كيان العدو، وقراءة ما بين السطور جيدا فيما كان يصدر عن المختصين في الشأن الأمني والعسكري لدى العدو، وجد أن أكثر ما أرق وأعاق المنظومة الأمنية والعسكرية للعدو عن تحقيق إنجازاتها ضد المقاومة في غزة في حرب العصف المأكول 2014عام، هو عمل كتائب القسام ضمن منظومة اتصالات آمنة، منعت العدو من كشف النوايا والخطط وحافظت على مبدأ الامن للقوات والمقدرات، وأضف الى ذلك العمل تحت قيادة وسيطرة جميع المستويات القيادية دون انقطاع، من هنا بدأ قرار المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” بضرورة عمل المستحيل من أجل السيطرة على هذه الشبكة، ومن جهة المقاومة فقد ذهب عصر الارتجال والعشوائية، وأصبحت تعمل ضمن قواعد عسكرية علمية وبتفكير استراتيجي نابع من فهم مبادئ الحرب، والتي هي مجموعة من القواعد والمعايير والارشادات، هي خلاصة من صفوة الأفكار السليمة من خلال دراسة التاريخ العسكري، واستنتاج حالات النجاح والفشل في الحروب ولهذا أصبحت الجيوش تسير وفق مبادئ حرب لتضمن لها النصر على العدو.

إن الاتصالات تكاد تلامس معظم مبادئ الحرب التي تنتهجها كل جيوش العالم، لكن سنركز الحديث هنا على علاقة الاتصالات بثلاثة مبادئ فقط وهي مبدأ القيادة والسيطرة، الأمن، ومن ثم التعاون.

مبدأ القيادة والسيطرة

إن أكثر ما كان يؤلم العدو “الإسرائيلي” اثناء حرب العصف المأكول، هو ما كان يراه من قيادة وسيطرة في إدارة المعركة، من ضبط للنيران (إطلاق الصواريخ) وهذا كان جليا في السيطرة على الرشقات كماً ونوعاً وكذلك توقيتات الاطلاق ومثال ذلك توقيت قصف تل ابيب، والسيطرة على القوات وادامة تواصل القيادة مع الجند، وهذا له أثر كبير أيضا في إدامة الخطط ورفع المعنويات خاصة في معركة دامت 51 يوما، وهو أيضا من اهم مبادئ الحرب.

مبدأ الأمن

لا يمكن لأي جيش أو شبه جيش، كما هو الحال في شكل الاجنحة العسكرية في غزة خاصة كتائب القسام أن تحارب دون ان تؤمن عناصرها وقياداتها وخطتها وجميع مقراتها بدون اتصالات امنة وتحفظ أمن معلوماتها، وهنا برزت أهمية شبكة الاتصالات الآمنة لدى كتائب القسام في المحافظة على الخطط ، والارواح والمقدرات، وقد برز تحد كبير للعدو وهو أسراه الموجودين في حوزة المقاومة، واختراق شبكة الاتصالات التابعة للقسام سيجعل فرص حل هذه المعضل أكبر، أضف الى ذلك علامة الفشل والعار على جبين كل مؤسسات العدو ودول أخرى وهو القائد الأعلى لكتائب القسام محمد الضيف الذي لم تقدر هذه الدولة ودول أخرى على جلب معلومة واحدة لتتسبب في تصفيته.

مبدأ التعاون

ان مبدأ التعاون أصبح ذا أهمية كبرى، وأكثر من ذي قبل في إدارة الحرب والتنسيق بين جميع صنوف الأسلحة وصهرها في خطة مشتركة لإنجاز المهمة على أكمل وجه من خلال تنسيق النيران والاسناد المدفعي وتزويد القوات بالمعلومات الفورية وهذا كله يتطلب اتصالات آمنة وسريعة وفي الوقت المناسب لإنجاح المهمات الحربية، وهذا ما شهده العدو في مدى تنسيق المهام والعمليات التي نفذتها المقاومة خلال الحرب في 2014.

اذاً لا قيادة وسيطرة ولا تأمين ولا تنسيق وتعاون بين القوات دون منظومة اتصالات ذات موثوقية عالية.

ان قرار المخاطرة من كيان العدون بنخبة النخة لديه لإنجاز مهمة اختراق اتصالات القسام لم يأتي من فراغ، بل إن العدو يعلم اكثر من غيره مدى خطورة هذه الشبكة على أمنه بل وحتى مستقبله، إن الأيادي المتوضئة التي أنجزت هذه الشبكة وحافظت على أمنها لا بد من تكريمها، إنّ من الناس من يختارهم الله؛ فيكونون قمح هذا الوطن فينبتون ويحصدون، يعجنون ويخبزون، ليكونوا غذاء الشموخ والنصر لهذا الشعب، ولا بد لي أن اذكر هنا أن الجنود الأمريكيين من قبيله تشوكتو حصلوا على تكريم من الدولة عام 2008 وذلك بعد اصدار قانون في الولايات المتحدة الامريكية لتكريمهم بعد كل هذه الأعوام.

إن مقاومتنا دفعت ملايين الدولارات لانجاز هذه الشبكة، وهي منجز وطني يستحق التقدير خاصة في ظل هذا الحصار، وبقي لنا أن نقول، في اثناء الثورة الفرنسية وتدهور الحالة الاقتصادية والعملة الفرنسية، صهر الفرنسيون 30 ألف جرس من أجراس الكنائس بسبب شح المعادن لصك النقود، ونحن أولى بأن نقول لمقاومتنا اذيبوا أكبادنا واصنعوا لنا النصر.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى