أخبارتقارير و دراسات

الحاضنة الشعبية جدلية المتطلبات والدور “الجزء الأول”

✍️الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين

كثيرة هي الحركات الثورية أو المقاومة أو المعارضة التي خسرت معاركها مقابل عدوها ، ففرض إرادته عليها واستسلمت له ؛ طائعة أو مكرهة . ولمعرفة أسباب هذه الهزائم والانصياع للعدو الذي اغتصب الأرض والعرض ؛ لا بد من البحث في الخلل الذي قد يكون وقع في مكونات وضروريات قيام أي حركة مقاومة أو ثورة أو معارضة ضد ظالم مستبد أو محتل مستعد ، والتي جئنا على ذكرها في أكثر من مقام ضمن سلاسل المقالات التي كتبناها والتي ــــــ مكونات قيام مقاومة أو ثورة ــــــ نعيد ذكرها بشكل سريع دون التفصيل وهي :

1. القضية العادلة .

2. القيادة الراشدة .

3. الحليف الصادق .

4. الشعب الواعي ( الحاضنة الشعبية ) .

ولما كانت المكونات الثلاثة الأولى تعمل ضمن البيئة والمساحة التي يؤمنها لها الشعب ( الحاضنة الشعبية ) ، ولما كان أصل الهدف الذي تعمل له المقاومة أو الذي من أجله قامت الثورة هو تحرير الأرض والانسان من جور المحتل والطغيان ، وحيث أن المقاومين أو الثائرين يقومون بفعل مقاوم كجزء من كل هو الشعب ، فهم الوكيل الذي يمثل مصالح الأصيل ( الشعب ) ويدافع عنه ، كان المكون الأخير أو الركن الرابع هو أهم ركن من أركان نجاح الثورة وانتصار المقاومة ، فلو تخلى الاصيل (الشعب ) عن خدمات الوكيل ( الثائر أو المقاوم ) ؛ فلن ينفع عدل القضية أو رشد القيادة أو صدق الحليف في دحر المحتل أو كبح ظلم الظالم ، وسيغدوا المقاومون أو الثائرون كسمكة تسبح في ماء ملوث قليل الأكسجين ، لا تلبث أن تفارق الحياة . من هنا جاءت فكرة كتابة هذا المقال ، والذي سيبحث في جدلية العلاقة بين الحاضنة الشعبية وحركات المقاومة ، حيث سنتكلم في الدور المطلوب من الحاضنة الشعبية تجاه المقاومة أو الثورة ، والمتطلبات التي يجب أن توفرها المقاومة أو الثورة لتلك الحاضنة لتؤدي ما هو مطلوب منها من دور . وهنا سنطرح السؤال المحوري في هذا المقام وهو : هل دور الحاضنة مقدم على تأمين المتطلبات ؟ أم العكس . آملين أن يحرّض هذه المقال أصحاب الشأن لبسط البحث والنقاش في هذا الأمر الذي يعد نقطة ارتكاز مركز ثقل المقاومة المتمثل في القضية والقيادة والحليف .

وعليه هل يكفي أن تقول حركة مقاومة أو ثورية ما أنها تتبنى الأيدلوجية الإسلامية مثلاً أو أنها تمثل مصالح شعبها وتدافع عنه أو أن قادتها جلهم من المضحين الذين قدموا زهرة شبابهم في السجون أو المطاردة أو أن أهلهم وذويهم استشهدوا في هذا الطريق ، هل يكفي هذا ليحوز هؤلاء رضى الناس والشعب ( الحاضنة الشعبية ) أو أن يستجلبوا دعمهم المادي والبشري ؟ أم أن أمور أخرى واحتياجات متنوعة ــــ مادية ونفسية وعاطفية و … ــــــ مطلوبة من تلك المقاومة أو الثورة يجب أن تؤمنها وتعمل على توفيرها ، لتحوز الرضى وتستجلب الدعم ؟ وأيهما مقدم على الآخر ، الدور الملعوب أم الاحتياج المطلوب ؟

إن هذه المقالة قائمة على فرضية أن متطلبات واحتياجات الحاضنة الشعبية مقدمة على الدور المطلوب منها أن تقوم به تجاه حركة المقاومة أو المعارضة أو الثورة ، وأنه لا يمكن أن تطلب قيادة المقاومة أو الثورة من الشعب الذي قامت للدفاع عنه وفوضها الحديث باسمه أن يؤمن لها ــ للثورة أو المقاومة ــ أسباب الدعم المادي والبشري والنفسي ما لم تبادر هي ــ المقاومة ـ أولاً بتأمين جملة من المتطلبات والاحتياجات المادية وغير المادية التي تساعد في تعزيز صمود وثبات وتصليب هذه الحاضنة ، ومن ثم تطلب منها ــ من الحاضنة الشعبية ــ أن تقوم بدورها تجاه المقاومة أو الثورة . ومن هنا ، سنبدأ بذكر المتطلبات التي يجب أن تؤمنها الثورة للحاضنة ، ونختم بالدور المتصور للحاضنة تجاه الثورة أو المقاومة ، ولكن لا بد للإشارة أولاً من أن الحركات السياسية والأحزاب حتى تكون فاعلة في مجتمعها وتحقق الأهداف التي من أجلها أنشئت ؛ لا بد لها من أن تتصف بمجموعة من الصفات والمزايا ؛ منها على سبيل المثال لا الحصر :

1. منظومة قيم ومبادئ داخلية متناسقة مع البيئة والأعراف السائدة في جغرافيات هذه الأحزاب .

2. خطاب وسلوك ؛ فردي وجماعي متوافق ومتساوق مع منظومة القيم تلك ولا يخالفها أو يصادمها.

3. شبكة علاقات وصداقات داخلية منفتحة على جميع شرائح المجتمع ، وعلاقات مع محيطها الإقليمي والدولي ما أمكن.

4. بناء هياكل تنظيمية وإدارية قادرة على إدارة شبكة العلاقات تلك بكفاءة وفاعلية عالية .

5. تفكير حر وعقل جمعي تشاركي يمكن معهما تطوير سياسات وضوابط عمل تتوافق مع البيئة الداخلية والخارجية .

بعد هذه المقدمة والاستهلال ؛ نبدأ بتعريف الحاضنة الشعبية أولاً حتى لا نختلف على المصطلح فتتعدد بنا السبل .

فالحاضنة الشعبية : هي ذاك الإطار الاجتماعي الذي يرى بناء على قناعته وإيمانه في المشروع الذي تحمله المقاومة منقذاً له من ظلم ظالم أو احتلال محتل ، رائيةً فيها كمجموع وفي منتسبيها كآحاد ؛ قادة وأفراد ، ذلك النموذج الذي يصدّق قولَه فعلُه ؛ فيُجدَر أن يحتذى به ، مؤمنة بالنصر الذي توعد به، مستعدة لتحمل الاكلاف التي تترتب على دعمها للمقاومة ، مؤمّنة لها ــ للمقاومة ــ سبل الدعم والاسناد المادي والمعنوي المطلوب لانتصارها على غريمها وعدوهها .

متطلبات تكونها وقبولها بالمقاومة أو الثورة والثائرين :

1. أمل بالتغيير : إن أول ما يجب أن توفره الثورة أو المقاومة لعموم شعبها ومن نابت عنهم في الفعل ، هو الأمل بالتغيير والانتقال من الوضع الحالي غير المرغوب إلى الوضع المستقبلي المطلوب ، وهذا لا يتم إلا من خلال تقديم نماذج تغيير يراها الناس على صعيد حياتهم اليومية والمعيشية والأمنية ، حتى لو صغرت هذه النماذج فإنها في محصلة تراكمية ستغدو كبيرة وظاهرة للعيان ممثلة ذاك النور الذي يرى في آخر نفق الاحتلال أو الظلم الذي يحث خطى الشعب والناس باتجاهه.

2. ثقة بالمشروع الذي تمثله الثورة أو المقاومة وتنادي به : كما أنه يجب أن تثق الحاضنة الشعبية بالمشروع الذي يُناضل من أجله ، ويُبذل في سبيل تحقيقه الغالي والنفيس ، وتُسترخص الأرواح لأجله ، ويهون حبس الحريات في سبيله ، وهذه الثقة لا يمكن أن تتم ما لم تكن هذه الحاضنة مشاركة في وضع أسس هذا المشروع متفقه مع من يقوم عليه على خطوطه العريضة ومراحله المتعددة ، وهذا أمر ــ الثقة بالمشروع ــ يتطلب تواصل حثيث بين الحاضنة ووكلائها ومفوضيها في المقاومة ، يشرحون ــ المقاومون ــ لهم ويبينون الجدوى والأكلاف لما يقومون به من مقاومة وما ينتهجونه من منهج .

3. ثقة بالقائمين على هذا المشروع : ومن أهم متطلبات الثقة بالمشروع أو الثورة أو المقاومة ؛ الثقة بالقائمين على هذا المشروع والمتصدين له ، من مختلف الرتب والمرتبات ، هل يصدق قولهم فعلهم ؟ هل يمثلون القدوات الحسنة في الفعل والقول والمعاش ؟ هل يتقاسمون شظف العيش وخشنه مع بني جلدتهم الذين فوضوهم أمرهم ، ورهنوا ــ الشعب الحاضنة ـ مستقبلهم ودماءهم ودماء أحبتهم لإشارتهم ؟ هل يمثلون أهداف شعبهم حق التمثيل وينوبون عن شعبهم صادق النيابة ؟

4. تأمين متطلبات صمود هذه الحاضنة الشعبية : وحتى تمحّض الحاضنة الشعبية ثقتها لمن يتحدثون باسمها وتؤمن لهم ما يسند أودهم ويدعم صمودهم من متطلبات بشرية ومادية ؛ لابد للمقاومة أو الثورة والقائمين عليها من أن يؤمنوا لها ما يدعم صمودها ويقوي موقفها في مواجهة المحتل أو الظالم أيضاً ، ومن هذه الأمور على سبل المثال لا الحصر :

1. تعويض خسائرها : تعوضها عن الخسائر ــ ما أمكن ــ التي لحقت بها من جراء تقديمها للدعم والمؤازرة والتغطية للمقاومة ورجالها حماية لهم من المعتدي ، وتأمين أساسيات الحياة الحيوية ، فهذا التعويض من الأمور المهمة في جعل هذه الحاضنة تتشبث في أرضها ومحل سكنها ، فلا تجفف المياه التي تسبح فيها سمكة المقاومة ، فيسهل صيدها .

2. حمايتها من بطش المحتل أو الظالم وعملائه : فإن في مثل هذا الفعل والسلوك ، تثبيتاً وإشعاراً لهم أن هناك جهة تقتص من ظالمهم وتؤذي مؤذيهم وأنها ظهرٌ لهم ومتراس يمكن الركون له ، فتسقط هيبة عدوهم من عيونهم ويرقى حاميهم في نفوسهم .

3. تأمين المتطلبات الحياة الحيوية لهذه الحاضنة : بشكل مباشر أو غير مباشر ، من خلال ما لديها من علاقات وصلات ، وما تملكه من قدرات ـ خشنة أو ناعمة ــ فكما أن الجيوش تزحف على بطونها ، فإن الحواضن الشعبية تريد ما يسد عوزها ويقيم صلبها من ماء وغذاء وكهرباء و … ، وإلا وفي حال عدم تأمين ما يمكن من هذه المتطلبات ، فإن المقاومة أو الثورة تكلف حاضنتها الشعبية أكثر مما تطيق ، وسيأتي يوم تنتفض هذه الحاضنة في وجه المقاومة أو الثورة .

5. العدالة وعدم المحسوبية : كما أن من الأمور المهمة في تكوين الحاضنة الشعبية ، توفر قسط من العدالة وعدم المحسوبية ، يأمن معه أبناء الحاضنة الشعبية على أنفسهم وأموالهم من عدوان المعتدين ، ويشعرون أن هناك من يحصل لهم حقهم إن ضُيّع أو انتهك ؛ محلياً أو أجنبياً .

كان هذا ما اتسع له المقال في هذا المقام ، على أن نتحدث في الجزء الثاني عن الدور المنوط والمتصور للحضانة الشعبية أن تقوم به تجاه المقاومة أو الثورة .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى