أخبارتقارير و دراسات

حرب العصابات و”أتمتة” القدرات الفرص والتهديدات (الجزء الثاني)

✍️الخبير الأمني والعسكري أ.عبد الله أمين

تحدثنا في الجزء الأول من هذه المقالة وفي مقدمتها عن أهداف حرب العصابات ، وعن النظرية الحاكمة لها ، والتي تقوم على أساس الحرب غير المتكافئة ، كما عرفنا الحرب غير المتكافئة بشكل سريع ، ومن ثم تطرقنا إلى الفرص التي توفرها ( أتمتة ) القدرات القتالية . وفي هذا الجزء الثاني والأخير سنتحدث عن التهديدات المتصورة لعملية الــ( أتمتة ) ، لنختم بالإجابة على سؤال : كيف السبيل ؟

التهديدات :
1. علوم أجنبية غير محلية :
من أهم التهديدات في مثل هذا العالم ، أنه عالم أجنبي قد لا نمتلك نواصيه ولا نعرف خباياه ، ما نراه منه لا يشكل إلا رأس جبل الجليد الذي يخفي في بطنة السم الزعاف . وأجنبية هذه العلوم ليس مقصوداً به أنها أجنبية عن الدول الصغيرة الفقيرة أو حركات المقاومة وقوات العصابات في الأدغال والغابات ، وإنما المقصود به أيضاً الدول المتقدمة ؛ فما تملكه أمريكا على عظمتها قد تملك الصين افضل منه وأكفأ ، وما تملكه ماليزيا قد تملك أفضل منه تايوان أو كوريا الجنوبية أو الشمالية ، وما لدى الهند قد يفوقه ما لدى الباكستان ، فهذا ميدان سباق وتناطح ، لا يعني فيه أنك الأفضل إقتصادياً أن تكون الأفضل تقنياً فــــ ( الأجنبة ) قد تنطبق على الجميع ، وهي مكمن الخطر والثغرة التي قد يُنفذ منها .

2. هي البطن الرخوة في المنظومات :
تعمد جميع المنظومات ؛ الدولتية منها والحركية ، وتسهيلاً لعملها إلى الميل إلى (أتمتة) أعمالها مستغنية عن الطرق التقليدية في الكتابة والأرشفة والتوجيه والمراسلات ، وفي تشغيل بعض القدرات والبنى التحتية ؛ المدنية منها والعسكرية ، الأمر ــــ ال ( أتمتية ) ـــ الذي جعل هذه الدول تملك بطوناً رخوة ومكامن ضعف قاتلة ، يمكن أن تستهدف من قبلها وتؤذى بأذيتها ، دون أن تشعر ومن غير أن تحس ؛ إلا عند وقوع الخطر.

3. القدرة على السيطرة على القدرات المادية ؛ الناعمة والخشنة :
يمكّن امتلاك مثل هذه القدرات من زيادة كفاءة المنظومة القيادية في عمليات سيطرتها على ما بين يديها من قدرات ؛ ناعمة وخشنة . فابمتلاك مثل هذه القدرات ؛ أنت قادر على معرفة وبشكل آني ما لديك من عديد فعلي أو إداري ، وما تملك من وسائل نقل ووسائط نار ومكان تموضعها ووضعها الفني ، بل يمكن أن تقوم بعمل تفتيش دوري على هذه القدرات وتلك الوسائل بشكل يومي وهي مستقرة في مناطق نائية وبعيدة مئات الأميال عن مقر قيادتك التعبوية أو الإدارية .

4. ضرب مراكز الثقل المدنية والعسكرية بشكل مباشر وسريع :
أصبحت هذه الوسائل هي العصب الحي والعقل الفاعل واليد التي تدير المراكز الحيوية والبنى التحتية للدول ، وباستهدافها ــ تدميراً أو سيطرة أو تحييداً ــ يتم استهداف وشل مراكز ثقل الدولة ، الذي يؤدي إلى سقوط الدولة وانهيار النظام ، الذي يلحقه احتلال البلاد واسترقاق العباد .

5. القدرة على التشفير والسيطرة على الدفق المعلوماتي :
وهذا هو المسار الحرج في هذا العالم التقني ، فقد تمتلك ما يمتلك غيرك من أجهزة وتقنيات ووسائل تحكم وإدارة ، وهذه الوسائل والتقنيات لا بد لها من أن تتصل مع بعضها البعض ؛ سلكياً أو لا سلكياً ، وفي هذه الطريق ــ طريق الاتصال ــ تنصب الكمائن والشراك ، وما لم تكن حامياً للدفق المعلوماتي ــ توجيهات ، أوامر ، وثائق ، … ـــ الذي سينتقل عبر الأثير لا سلكياً أو عبر الأسلاك والكوابل أرضياً ؛ فإنك تسلم رقبتك للعدو ؛ يخنق متى شاء ويضلل كيف شاء ويكشف النوايا حيث شاء ، فتتحرك كيف شاء بالاتجاه الذي يشاء .

كيف السبيل :
1. تعلم هذه العلوم والمعارف والمهارات وسبر غورها :
لا بد لمن يتصدى لأمر الدفاع عن الأوطان والمصالح الوطينة في هذا العصر الذي نحيا فيه من أن يتعلم هذه المهارات والعلوم وأن يسعى لسبر غورها ومعرفة كنهها ، وأن يتعامل معها كما يتعامل طلاب الفلسفة مع الفلسفة ؛ حيث أن السباحة على شاطئها يُغرق ، وعلى من يطلب النجاة أن يسبح في وسط محيط الفلسفة ، وكذا هذه العلوم والمعارف فالتماس العلمي والمعرفي مع الحافة الأمامية لها والقشرة الخارجة التي تكسوها ، لا يجدى نفعاً ، وعلى من يرغب في النجاة من خطر هذه القدرات والأدوات أو أن يستخدمها في حفظ المصالح والذات ، أو ضرب العدو ضربات موجعات مهلكات ، أن يغوص في أحشائها وأن يوغل في معرفتها حتى الجذور .

2. حشد وتركيز الطاقات الفنية والبشرية :
إن هذه المعارف والعلوم لا يمكن أن يحيط بها شخص أو أن تحوز معرفتها جهة ، فجزء منها ــ التقنيات ــ بالإضافة إلى أنه علم يكتسب ؛ إلا أنه أيضاً فن يفوز فيه من يحسن توظيفه ، الأمر الذي يتطلب حشد الطاقات الفنية البشرية ؛ المصنعة والمستخدمة ، وفتح خطوط التواصل بين مختلف هذه المستويات من أجل أن تتكامل المعارف والفنون والعلوم وتصب في اتجاه واحد ، وكذا ليسهل إكمال وغلق الدورة العملية والعلمية لهذه الوسائل ، من الانتاج حتى الاستخدام مروراً بالتقييم والتقويم .

3. توطين هذه العلوم وتلك التقنيات :
قلنا أن أحد التهديدات المتصورة في هذا المجال هو كون هذه العلوم والمعارف والأدوات الناتجة عنها أجنبية الصنع ، محلية الاستخدام ، مما يجعل المستخدم عرضة لابتزاز الصانع فضلا ًعن أن يكون معرضاً لتهديد مباشر ناتج عن عدم معرفة التفاصيل الفنية الدقيقة لما يستخدم من قدرات ووسائط قتال مرتبطة بعالم التقنيات والعالم الرقمي ، وهنا لابد من بذل الجهد لتوطين ( جعلها وطنية المنشأ ) هذه العلوم والمعارف عن طريق اختيار الكادر البشري المناسب والعمل على تنمية مهاراته وعلومه ومعارفة في هذا المجال ، وتزويده بكل ما يلزم من تسهيلات مادية أو إدارية للارتقاء والتقدم في هذا المجال ، كهدف رئيسي في مسار توطين هذه العلوم والمعارف والتقينات ، وفي غير هذه الصورة ؛ سوف نبقى رهائن أصحاب الفن والعلم والوسيلة ، نُبتز تارة فنخضع أو نهدد أخرى فنقمع .

4. امتلاك البديل التقليدي للعمليات التشغيلية :
لا بد من الاعتراف أن الجهات المعادية للمقاومة تسبقنا بعشرات السنين في هذا المجال ، وأن الفجوة المعرفية بيننا وبينهم لا يمكن ردمها أو جسرها أو تضيقها بالشكل المطلوب ــــ هذا لا يعني أن لا يعمل على تضيق هذه الفجوة ليلاً نهاراً وبكل ما أوتينا من قوة وطاقة ـــ ولكن وحتى تحقيق هذا الهدف المرتبط بجسر الهوة أو ردمها، وحيث أن ناصية هذه العلوم بيد غيرنا وأبوابها الخلفية ؛ ما خفي منها أكثر مما بان ؛ كان لا بد من امتلاك أدوات التشغيل التقليدية التي تمكّن جهات الاختصاص من تشغيل ما بين يديها من قدرات بشكل تقليدي خارج عن العالم الرقمي ، والتدرب والمناورة عليها في وقت السلم ، في ظروف أشبه ما تكون قريبة من ظروف الحرب ، حتى لا نقع فريسة سهلة نؤتى من قبل هذ الأدوات في وقت الأزمات والملمات .

5. اقرار القوانين والتشريعات التسهيلية :
وحتى تصبح هذه التقنيات والعلوم المعارف وطنية المنشأ محلية الصنع ؛ لا بد من إقرار القوانين والتشريعات المناسبة التي تسهل هذا الأمر ، من قبيل تعديل وتطوير بعض المناهج الدارسية في المستويات الدنيا ، أو تأسيس كليات جامعية متخصصة في هذا المجال أو تخصيص الموازنات المناسبة التي تساعد على عمليات التوظيف والتجهيز للمقرات والكوادر البشرية التي تساعد في توطين وتشغيل هذه القدرات ونقل علومها ومعارفها ومهاراتها للأجيال اللاحقة .
كان هذا ما تفتق عنه الذهن ، وهو جهد المقل لشخص غير متخصص في هذا المجال ــ التقني ــ على أمل أن يكون ما ورد في هذه المقالة بجزئها محفزاً لأهل الاختصاص لطرق هذا الباب ، والبحث فيه عن أسئلة تحتاج إلى جواب .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى