أخبارترجمات

التطورات التكنولوجية وأثرها على المعارك الميدانية “الجزء الأول”

✍️الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين

تطورت الحروب منذ خلق الله الأرض ومن عليها ؛ حيث أن الحفاظ على الذات والدفاع عن المصالح ؛كان وما زال وسيبقى المحرك الأول والدافع الرئيسي للأشخاص والدول الذي يقف خلف النزاعات والحروب ؛ أكانت خفيفة الوقع أم شديدة المستوى ، ولما كان هذا الأمر ــ الدفاع عن الذات والمصالح ــ لا يمكن أن يتم ما لم يُخضِع أحد الطرفين المتنازعين الآخر لإرادته ؛ كان لا بد من أن يعرف كل من المتحاربين أو المتنازعين أكبر كم ممكن من المعلومات التي تحوي نقاط قوة وضعف الطرف الآخر ، وما يمكن أن يكنزه الموقف من تهديدات أو فرص ، الأمر الذي يعني أن يحوز كل منهما أدوات جمع وتحليل واستثمار المعلومات ؛ ما يمكنه من تحويل التهديدات إلى فرص ، ونقاط الضعف إلى نقاط قوة ، وإدارة الإمكانات والسيطرة عليها وعلى ساحة المعركة بما يوفر له تحقيق الأهداف المرجوة بأقل الخسائر وأقصر المدد الزمنية.

هذه الأمور ــ جمع المعلومات وتحليلها والسيطرة على الموارد وإدارتها ــ كانت ، وما زالت على أهميتها ، لما كانت الحروب والنزاعات في أبسط أجيالها ، بين فرسان يتجمعون على صعيد واحد وتصطف القوات في صفوف متوازية ويطلق كل من المتحاربين نار أسلحته الفردية على الطرف الآخر ليوقع فيه أكبر كم من الخسائر ، كما كانت تلك الأمور والمفاهيم هي التي تحكم الحرب أيضاً عندما كان يتقابل الجيشين ، فيبارز أحد فرسانهما الفارس الآخر ، أو حتى عندما كان قادة الجيشان يتبارزان بسيفيهما أو رمحيهما فيُهزم الجيش الذي قُتل فارسه أو قائده وتنتهي المعركة عند هذا الحد ، وبقيت هذه المسلمات تحكم المعارك عندما تطورت الحروب ودخل سلاح المدفعية البدائية إلى ساحة المعركة ثم تلاه سلاح الطيران كإضافة نوعية للقدرات القتالية ، من ملكها ــ القدرات ــ ملك ساحة المعركة وسيطر عليها وفرض إرادته على خصمه وهزمه في معركته ؛ فحمى ذاته ودافع عن مقدراته .

وقد كان لدخول سلاح الطيران ــ باختلاف مراكبه ووسائط عمله ــ على مشهد المعركة وتسطيحه لميادينها واعطائها بعداً ثالثاً بعد أن كانت تملك بعديين إثنين ــ بري وبحري ـــ أثراً كبيراً في السيطرة وجمع المعلومات وإدارة القوات ، الأمر الذي جعل من امتلاك مثل هذه الوسائط أمراً حاسما ً في سير المعارك ورسم نهاياتها .

أما في أصل المسألة وجذرها الذي تُشتق منه المهام وتصاغ على ضوئه الأوامر التي تحكم سير القوات ومناورتها وطبيعة حركتها الميدانية ؛ فإن القائد وبعد أن يستلم المهمة المناطة به يقوم بجمع المعلومات والمعطيات عن أركانٍ أربعة تشكل جذر ومنطلق كل مهمة يقوم بها القائد ؛ أكان من قادة المستويات الدنيا أو من صف القادة الكبار في تشكيلاتهم ، هذه المسائل التي يطلب منه أن يملك زمام أمرها ويحصي كل شاردة وواردة فيها هي :
1. المهمة :
فالقائد يجب عليه أن يعرف ما هي المهمة الرئيسية التي أوكلت له وما هي المهام المشتقة عن تلك المهمة والتي يُعد القيام بها ــ المهام الاستنتاجية ــ طريقاً إلزاميةً لتحقيق المهمة الرئيسية ، كما لابد له من أن يعرف ما هو الإطار الزمني الذي يملكه والممنوح له من قيادته العليا لإنفاذ هذه المهمة .

2. الأرض :
وبما أن المهام والأهداف العسكرية تتجسد في أمرين رئيسيين هما : الجغرافيا والزمن ؛كان لا بد للقائد من أن يعرف الأرض التي سيتم تنفيذ المهمة عليه ، بكل تفاصيلها ؛ فالأرض تقتل جاهِلها ويقتلها عالِمها ، والأرض هي الملاذ الذي سيأوي له القائد بجنده ، فبالقدر الذي يعرفها ؛ تحميه ، وبالقدر الذي يجهلها تؤذيه .

3. العدو :
ولما كانت الحرب عبارة عن عمل تفاعلي ، يتقابل فيه خصمان يجهد كل منهما لفرض إرادته على الآخر بما يملك من قدرات وأدوات ؛ كان من أهم متطلبات الحرب والانتصار فيها ؛ معرفة التهديدات والمخاطر الناتجة عنها واتجاهات هذه التهديدات والتي مصدرها ومنشأها هو العدو ، الذي نبغي فرض إرادتنا عليه ، وسلب روح القتال منه. لذلك فإن القائد وجهاز معلوماته وما يملك من وسائل ومصادر ، يجهدان في إحصاء أنفاس العدو وجعله أولى الأوليات في الاحتياج المعلوماتي المطلوب تأمينه للقائد .

4. الذات :
وهنا يكتمل الركن الرابع من أركان المعرفة التي يجب أن يمتلكها القائد قبل التفكير في أي حركة هجومية أو دفاعية ، فما لم يعرف القائد ما يملك من قدرات وإمكانات ذاتيه ــ مادية وبشرية ــ أو ممكنة التحصيل عند الحاجة كإسناد يأتيه من قادته أو القوات الصديقة العاملة في المناطق المجاورة لمنطقة مسؤوليته أو منطقة عملياته ؛ فإنه يخوض معركة احتمال النصر فيها يتساوى مع احتمال الهزيمة ، الأمر ــ تساوي احتمالات النصر والهزيمة ــ الذي لا يأخذ قرار الحركة فيه إلا من فقد غير هذه الوسيلة في تحقيق الأهداف .

أمام هذا التعقيد الحاصل في الحروب وإدارة معاركها ، وتعدد وسائل خوضها وصنوف الأدوات والأسلحة المستخدمة فيها ، وكثرة متطلباتها التي لا يمكن أن يتحقق نصر بغيابها ، كان على القائد أن يستعين بمجموعة من المساعدين والمستشارين وقادة الصنوف ، ما يمكنه من إعمال القيادة والسيطرة (C2 ) على قواته ؛ قبل وأثناء وبعد المعركة ، على أفضل وجه وأكمل صورة ، ليخرجها من الموقف القتالي منتصرة ؛ بأقل الخسائر وأقصر المدد .
وهنا سنتطرق وبشكل سريع إلى الأركان الأربعة التي تُعد الفريق الرئيسي لعمل القائد ومهامها التي تشكل بمجموعها ــ الأركان ـــ وبما تملكه من أدوات وصلات وعلاقات ؛ الأداة الرئيسية في قيادة وسيطرة القائد على تشكيلاته القتالية وما تحت إمرته من قدرات ، بغض النظر عن الصنوف والاستعداد ، هذه الأركان الأربعة :

1. ركن العديد :
هذا الركن هو الركن الأول ـــ من حيث الأهمية والترتيب الهيكلي ـــ من الأركان التي تساعد القائد في عمله اليومي وكيفية سيطرته على قواته وما تحت إمرته من عديد ، بحيث يستطيع القائد أن يطلع منه ــ الركن ــ على ما تحت إمرته من عديد كلي ــ وفق الاستعداد الحقيقي ــ وما هو متوفر منه فعلياً ، وسبب النقص أو الزيادة ، والمستويات النفسية والصحية للقوات ، وأماكن تواجدها الحالي ؛ وهنا يوجد تفصيل دقيق جداً وتخصصي لا يتسع له هذه المقام.

2. ركن المعلومات ( الاستخبارات ) :
لما كانت المعلومات هي عين القائد والقوات ؛ كان الركن الثاني من أركان الاختصاص التي تساعد القائد هو ركن المعلومات ، والذي يناط به معرفة كل شاردة وواردة من المعلومات ومن مختلف المصادر البشرية والفنية التي توضع تحت تصرفه عن العدو والأرض والمناخ أو الطقس الذي ستخاض فيه المعارك ، كما أنه المسؤول عن تقدير الموقف حول التهديدات وأرجحيتها ومعقولية وقوعها ، والمخاطر الناتجة عن هذه التهديدات ، والجهات المتوقعة منها تلك التهديدات ؛ هذا أيضاً بإجمال سريع جداً .
3. ركن العمليات :
أما الركن الثالث الذي يساعد القائد في السيطرة على قواته وإدارتها ، وتحديد طرق عملها ، وما تحتاجه من تدريبات ؛ فردية وجماعة وتخصصية وتدريبات مهمة ، فهو ركن العمليات ، الذي يسند له وبالتنسيق والاتصال المباشر مع ركن المعلومات ـــ بشكل رئيسي ــ وباقي أركان القائد تنظيم وتدريب القوات والتخطيط لمسار بناء القدرات ؛ بما يمكنها من مجابهة التهديدات وتحقيق الأهداف وفقاً لما يضعه ــ ركن العمليات ـ من خطط ومشاريع تدريب .

4. ركن اللوجست :
أما الركن الرابع والأخير فهو ركن الشؤون الإدارية ، أو ما يعرف بمساعد رئيس هيئة الأركان لشؤون الدعم ؛ وهنا لابد أن نفرق بين الدعم الإداري والذي هو من مسؤوليات هذا الركن ، والدعم الناري الذي هو من اختصاصات قادة صنوف الدعم والإسناد الناري ، من مدفعية وسلاح صواريخ وما شاكلها من صنوف . يقع على عاتق هذا الركن من أجل القيام بمهامه على أفضل وجه ، ومن أجل تأمين إدامة واستمرار عمل القوات أن يقوم بتحديد مصادر الدعم المطلوب ، وكيفية الحصول عليها ، وكيفية ومكان وظروف تخزينها ، وآليات المحافظة عليها من التلف أو التخريب ، ومن ثم كيف يمكن أن تصل إلى محتاجيها في الزمان والمكان المطلوب وصولها له ــ أيضاً باختصار شديدــ .
هذا ما اتسع له المقام في هذا الجزء الأول من المقال ، على أن نتحدث في الجزء الثاني عن الآثار التي تعكسها التطورات التكنولوجية على طريقة عمل وقيادة القائد لقواته في المعركة البرية .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى