أخبارتقارير و دراسات

القائد …وخطر عدم معرفة و / أو تجاهل حدود القوة ومحدداتها “الجزء الثاني”

✍️ الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين

تحدثنا في المقال الأول عن القوة وعرفناها ، كما تحدثنا عن عمليات الخلط التي ينتج عنها عدم معرفة أو تجاهل القائد لمحددات القوة وحدودها أو قد يدفعه لتجاهل هذه المحددات ، وفي هذا الجزء نتحدث عن تلك المحددات والمقيدات بشكل تفصيلي .

محددات تشغيل القوة :

قلنا أن القوة لا يمكن أن تستخدم أو تفعّل بكامل طاقتها في أي حرب من الحروب أو نزاع من النزاعات الخشنة ، لاعتبارات عدة توضع من أجل تخفيف الاثر الناتج عن الاستخدام المنفلت العقال للقدرة ، فما يمكن أن يحقق بالحد الأدنى من القدرات ؛ لا يجب استخدام ما هو أخطر وأكبر لتحقيقه ، وهذه معادلة ثنائية النتيجة ، فإن إحجام أحد أحد طرفي النزاع عن استخدام كامل قدراته على اختلاف صنوفها ، سيدفع حكماً الطرف الآخر إلى عدم استخدام كامل قدارته هو الآخر ، وهنا فإن (المنفعة )متبادلة ومطلوبة . هذه المحددات أو المقيدات قلنا أن من يضعها هو المستوى السياسي كونه هو المسؤول الأول والأخير عن نتائج الحرب وما يمكن أن يصل له الموقف من تطورات ، أو قد يضعها ــ القيود ــ المستوى العسكري كاشتقاق لتوجيه سياسي معين ، أو كمقيد تعبوي تفرضه طبيعة المعركة أو الهدف المراد تحقيقه أو الجغرافيا التي يتم تشغيل القدرات عليها . ولكن دعونا قبل أن نتحدث عن القيود ، نعرج في عجالة على العوامل الحاسمة في استخدام القوة ، والتي هي عبارة عن :

1. التشكيل :

فإن كان الهدف من العملية العسكرية ــ دفاعية كانت أو هجومية ــ يتطلب تشكيلاً مقاتلاً باستعداد كتيبة أو سرية من صنف معين أو تشكيل مركب من عدة صنوف ؛ فمن غير المتصور أن تنجح العملية العسكرية وتحقق أهدافها بأقل الخسائر وأقصر وقت إن خيضت بتشكيل قتالي باستعداد أقل مما هو مطلوب .

2. النشر :

كما أن هذا التشكيل الذي تم حشده من أجل تحقيق الهدف المطلوب ، لا يمكن أن يحقق غايته وأصل الهدف من حشده ؛ حتى لو كان ضمن القدر المطلوب ما لم يتم نشره في منطقة المسؤولية أو منطقة العمليات بما يوفر له موقفاً تعبوياً أفضل من موقف العدو ، وهنا تلعب الجغرافياً الدور الحاسم في هذه المسألة من حيث التخصيص والتموضع والصنف .

3. الإدارة :

فإن تم الحشد والتشكيل والنشر والموضعة بشكل مناسب ، يأتي الدور على عملية الإدارة والتشغيل ؛ قبل وأثناء وبعد الاحتكاك والاشتباك مع العدو ، فالقائد المثالي هو القادر على إدرة موارده وتخصيص قدراته وتحديد جهوده وترتيب أولوياته بشكل يوفر له أفضل النتائج بأقل الخسائر والأزمان ، موائماً القدرات مع الجغرافيات .

4. الإمداد :

ومن الأمور الرئيسية الحاسمة في استخدام القوة ؛ القدرة على إمدادها ، فالجيوش تزحف على بطونها ، والآليات تسير على سلاسلها وتريد وقودها وزيوتها ، وما هُزم هتلر في ستالين غراد إلا لأن خطوط إمداده طالت ولم يقدر على أن يوصل لقواته ما يقيم أودها من غذاء ونار ، وما تراجع ثعلب الصحراء رومل أمام منتغمري في العلمين إلا عندما توغل في الصحراء على أمل أن يمده هتلر بما يريد من قدرات وإمدادات ؛ فلما قصر هتلر خسر رومل ، وقديماً قيل : لاتبدأ حرباً لا تستطيع إمدادها ، وهنا لا بأس من ذكر أن القوات الأمريكية التي احتلت العراق في عام 2003 بلغت نسبة الذيل للاسنان ــ قوات الدعم في مقابل قوات المناورة ـــ في بعض مراحلها الخمسة إلى واحد( 5/1) ، أي أن كل مقاتل في قوات المناورة كان يسنده خمسة مقاتلين في الدعم الإداري .

5. الاستعادة :

ومن الأمور التي تعد أمر حاسماً في استخدام القوة وكفاءة أدائها ؛ شعور المقاتلين أن لهم قيمة عند قادتهم ، وأنهم ليسوا أعداداً تزج في معارك بلا طائل ، وأن قادتهم بالقدر الذي يفكرون فيه بكيفية قتال عدوهم والقضاء على قدراته ، فإنهم يفكرون أضعافاً مضاعفة في كيفية المحافظة على أرواحهم وعودتهم إلى أهليهم سالمين ، وفي غير هذه الحالية ، فإن الجندي الذي لا يشعر بحرص قائده عليه وأنه مهتمٌ باستعادته حياً سليما لأهله أو شهيداً لوطنه ، هذا الجندي لن يضحي ؛ وسيؤثر الأسر على النصر .

نعود إلى قيود ومحددات القوة والتي من أهمها وأكثرها وضوحاً وشمولاً ما يأتي :

1. القيود الدينية والشرعية :

وهي من أهم القيود التي يمكن أن تقيد القدرات القتالية ، فتمنع استخدام نوع ما وتسمح بآخر ، وتجيز استهداف هدف ما وترفض التصويب على آخر . فلا يمكن أن يتصور أن هناك شريعة سماوية تجيز استخدام الأسلحة النووية أو الكيماوية أو البيولوجية في استهداف البشر ؛ مدنيين كانوا أو عسكريين ، ولا يمكن أن تجد نصاً شرعياً يجيز لك قتل جموع المدنيين على اطلاقهم وبدون ضابط كون العدو تترس بهم ، حتى أن فتوى التترس المنقولة عن ابن تيمية رحمه الله تؤخذ بقدرها ولا تسمح بقتل من تُتُرس بهم إلا بالقدر الذي يحقق الهدف ويقضي على التهديد . هذا هدي محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده ، فقد أوصى وأوصوا بأن لا يقتل طفل أو شيخ ولا امرأة ولا متنسكاً في صومعته ، بل أكثر من ذلك ؛ فقد منع صلى الله عليه وسلم ، ومنع خلفاؤه رضي الله عنهم قتل الدواب إلا للأكل والتزود بالطعام ، ولم يبيحوا قتلها لمجرد القتل .

2. سياسية داخلية :

وقد تكون القيود التي تقيد استخدام القوة ؛ قيود سياسية ناتجة عن قرار سياسي صادر عن القيادة العليا للدولة ؛ ممثلة برئيسها أو رئيس وزرائها أو من يفوضون . وعندما توضع مثل هذه المقيدات فإنما توضع تماشياً مع التزام الدولة بما يفرضه عليها القانون الدولي أو الدستور المحلي ، وحتى لا تجد نفسها ــ الدولة ــ بعد الحرب ملاحقة في المحاكم الدولية ؛ بوزرائها وقادتها العسكريين . ونحن نشاهد ونرى ونسمع أن قادة سياسيين وآخرين عسكريين من الكيان قد امتنعوا عن السفر إلى كثير من الدول كونهم مطلوبين في قضايا جنائية ناتجة عن الاستخدام المفرط للقوة وغير المتناسب مع التهديد .

3. قانونية دولية :

كما أن أحد مقيدات القدرة التي يمكن أن تقيد استخدامها كماً ونوعاً ، تلك النصوص القانونية المقرة والملزمة للدول على مستوى المجتمع الدولي ، فنصوص القانون المتعلقة بحقوق الانسان تقيد الاستخدام القوة غير المتناسبة ضد الانسان ، كما أن نصوص القانون المقرة للمحافظة على التراث البشري الممثل بالمواقع الأثرية ؛ تقيد استخدام القوة في أماكن جغرافية تشملها تلك النصوص وتحميها ، وكذا النصوص المتعلقة بالمحافظة على المساحات الخضراء كرئتي تنفس للبشرية قد تحد من تفعيل قدرات قتالية معينة في أماكن الغابات والاحراش مثلاً .

4. جغرافية / مدايات وقدرة على الاستيعاب :

لا شك أن الجغرافيا تلقى بظلالها على القوة ومسار بنائها وطرق تشغيلها بشكل كبير جداً ، فالجغرافيا هي التي تقول ما هو النوع وما هو الكم وأي صنف من صنوف القدرات القتالية التي يجب أن تمتلكها الدولة ، فدولة بحرية لا بد أن يكون عماد قواتها المسلحة السفن والبوارج وحاملات الطائرات ، وتملك تشكيلات بشرية متخصصة في مجالات العمل المائي من غوص وانقاذ وزراعة ألغام بحرية ، كما لا يمكن أن يتصور أن بلداً لا تشاطئ ماءً وهي قارية بالكامل لا يكون عماد قواتها المشاة على صنوفها والدروع بأنواعها . كما لا يمكن أن نتخيل أن دولة بعيدة ــ إيران مثال ـ تعادي دولة لا تشاركها الحدود ،لا تمتلك سلاح صواريخ أرض ــ أرض قصيرة أو متوسطة أو بعيدة المدى . وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه من الخطأ الفادح أن تراكم القدرات القتالية في بقعة جغرافية بكميات تزيد عن حاجتها أو قدرتها الاستيعابية ، فكما أن لكل وعاء سعة معينة ، فإن لكل بقعة جغرافية يراد أن تسلح أو تبنا فيه قدرات قتالية سعة محددة ــــ قد تقبل زيادة طفيفة غير مخلة ــــ أما إن زاد أمر مراكمة السلاح عن قدرة الجغرافيا على الاستيعاب ؛ فإن الأمر ــ مراكمة القدرة ــ يتحول من نقطة قوة إلى نقطة ضعف ومقتل ، وهذا بحث فني تفصيلي لا مجال لبسطه هنا .

5. فنية بشرية :

ومن محددات استخدام القوة ، ما هو مرتبط بالبعد الفني والبشري ؛ فما تشتريه الدول أو الحركات من أسلحة أو منظومات تسليح في البداية لا بد من التدرب عليها بشكل فردي من أجل التشغيل ، وهذا أمر يستغرق وقتاً وجهداً ليس بالقليل ، وهذا التدريب لا يمكن أن تكتمل اجزاؤه أو تغلق دائرته بمجرد الانتهاء من عمليات التدريب الفردي ، وحيث أن ـــ السلاح ـــ سيستخدم في عمليات عسكرية فيها من مختلف الصنوف والأنواع ؛ كان لا بد من أن يمر في عمليات دمج وتوليف مع باقي القدرات والمنظومات التي توضع تحت تصرف القائد أثناء المعركة ، لذلك فعمليات التدريب الفردي والجماعي والتخصصي على الأسلحة ومسار دمجها في منظومة القتال التي سوف تفعّل أثناء الحرب ؛ تشكل أحد قيود استخدام القوة ، طبعاً لا يغيب عن البال أيضاً عمليات النشر لتلك المنظومات في منطقة المسؤولية أو ساحة العمليات ، فكلما كان التدريب والدمج والنشر عالي الكفاءة متناسب مع أصل الهدف من عمليات التشغيل ؛ كانت القيود أقل والنتيجة أضمن ، والعكس صحيح .

كان هذا ما اتسع له المقام في هذا المقال ، معيديين التذكير بالحكمة القائلة : لا تنم لعدوك ولو كان نملة .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى