أخبارتقارير و دراسات

القائد … وخطر عدم معرفة و / أو تجاهل حدود القوة ومحدداتها “الجُزء الأول”

✍️الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين

الجزء الاول 2/1

قيل في صفات القائد الكثير ، وسال في تعداد صفاته ومواصفاته وما يتوجب أن يتحلى به من سجايا حبر كثير ، وكُتبت كتب وسطرت أبحاث فيما يجب أن يكون عليه ، ومن أنه يجب أن يكون صاحب رؤيا يقنع بها الآخرين ويحشد لها المقدرات المادية والبشرية ولا يزيغ بصره عن الأهداف التي تتضمنها تلك الرؤيا ، وأنه يجب أن يكون مؤمناً بقدرات شعبه ومن يقودهم على القدرة على التغيير ، وأنه ما لم يكن ذو شخصية كارزمية فإنه لن يقدر على تحريك الجماهير نحو الأهداف ، وأنه ما لم يكن أميناً صادقاً وفياً مع ذاته وشعبه وقضيته ؛ فلن يصل إلى غاياته ومبتغاه ، وإن لم يكن موضوعياً منصفاً وقّافاً على الحق باحثاً عنه ، فسينخدع بظواهر الأمور ولن يستطيع سبر غورها ، وأجمل ما قيل فيه أنه يجب أن يمتلك شخصية يشبه حَقيقُّوها حُقوقِيّها ؛ بمعنى أن يمتلك من الصفات والقدرات والمعارف في المجال الذي أُسندت له قيادته ما يوازي ما يمنحه إياه ذاك المكان من صلاحيات وسلطات ، وما لم يكن كذلك ؛ فلن يقدر على إقناع الآخرين بما يريد ويرى ،وستهتز شخصيته ولن يكون مطاع الأمر .
إلا أن من أخطر الصفات التي يمكن أن يتصف بها القائد هي : عدم معرفته و / أو تجاهله لمحددات القوة وحدودها ، أو عدم امتلاكه لفريق عمل تخصصي محترف يبين له هذه الحدود والمحددات ، فيمنعه من الانزلاق في مهاوي الردى كنتيجة منطقية لسؤء التقدير المبنى على سوء المعرفة والتحضير .
وعليه … فإن هذين المقالين سوف يعنيان بالحديث عن تلك الصفة ـــ معرفة حدود القوة ومحدداتها ـــ التي يجب أن يتصف بها القائد ، وكيف يمكن أن يمتلك مفرادتها وناصية حسابها كقائد ، أو من خلال فريق عمله وأركان قيادته . وهنا سنتطرق إلى منشأ هذه الإشكالية التي قد تعترض القائد أثناء عمله وبشكل تفصيلي غير ممل ، ونختصر حيث يكون الاختصار غير مخل ؛ فنقول أن منشأ هذه الإشكالية هو الآتي :
1. خلط في تعريف القوة والقدرة .
2. خلط في مسار بنائها وعملية مراكمتها.
3. خلط في فهم حدود ومحددات تفعيلها أو تشغيلها :
ففي العنوان الأول : دعونا نتفق على أن تعريف القوة هو أمر أشمل من تعريف القدرة ؛ فالقوة هي عبارة عن قدرة زائد إرادة ، وما لم تصحب الثانية الأولى ؛ فإن القوة لا تعني شيء ولا تسمن ولا تغني من جوع ، والمراقب والمطالع لهذه الشؤون ،يرى كثيراً من المصاديق العملية التي تدلل على ذلك ، فكم من الدول تملك قدرات مالية وتسليحية ــ السعودية والكيان مثال ـــ تفوق أضعافاً مضاعفة لما يملكه خصمها ، ولكنها ــ تلك الكيانات ــ تقف عاجزة أمام خصومها ولا تملك أن تفرض إرادتها عليهم كهدف نهائي لأي حرب ؛ فالهدف الكلي لأي نزاع عسكري ــــ فضلاً عن القضاء على قدرات الخصم المادية والبشرية ــ يتلخص في فرض الإرادة على الخصم . ومن هنا وحتى يكتمل المعنى ؛ لا بد من التطرق إلى الأصل الآتي والذي يشكل الهدف الأول والرئيسي لأي قائد عسكري ألا وهو : إيجاد الجاهزية والسهر على المحافظة عليها ومضاعفتها لدى جنوده ، ولما كانت الجاهزية هي عبارة عن قدرات ممثلة بعلوم وتجارب ومهارات و رغبة تظهر على شكل ثقة ودافع واستدامة ؛ كان لابد للقائد أن لا يقع في هذا الخلط المشار له عند التعريف ، كون هذا التعريف وإن بدى في بعده الأول أمر نظري ؛ فإنه في بعده الآخر يشكل جذر المسألة الإجرائية التي يشتق منها برامج عمله اليومية التي تتلخص في مسار بناء القوات ومراكمة القدرات ، والذي سنتحدث عنه الآن .
أما فيما يخص العنوان الثاني الذي يقع فيه الخلط فهو : مسار بناء القوات ومراكمة القدرات ، والخلط هنا يقع كنتيجة طبيعية لعدم فهم المهمة إبتداءً والجغرافيا إنتهاءً ، فما لم يفهم القادة وفرق عملهم المهمة التي حوّلت لهم من المستوى السياسي ، والجغرافيا التي ستنفذ عليها الإجراءات المتصورة لتنفيذ هذه المهمة ، فإنهم سيخبطون خبط عشواء ، وسيصدق فيهم المثل القائل أن فلاناً كحاطب ليل ، لا يدرى ما احتطب وما حزم ، وقد يحزم قشاً ينتهى مفعوله سريعاً أو حطباً كبيراً يستنفذ طاقته ــ الحطاب ــ قبل أن يشتعل ذاك الحط ، أو قد يحزم فيما حزم ؛ أفعى ً تحمل في بطنها السم الزعاف . فليس كل سلاح يصلح اقتناؤه ولا كل فرد يصح ضمه ، والأصل الحاكم هنا ــ في مسار بناء القوات ــ ليس الكمية ولا العدد ، وإنما النوع والكم القادر على إزالة التهديد ، فإن نقص عن الحد كماً ، أو خالف المطلوب نوعاً ، وقع الخطر الناتج عن عدم القدرة على مواجهة التهديد والتصدي للخطر ؛ وإن زاد عن الحد أو خرج عن النوع المطلوب ؛ حلت المصيبة لتحوله ــ السلاح ــ إلى هدف ظاهر لا يمكن اخفاؤة أو المناورة به لضيق الجغرافيا أولاً وعدم القدرة على تحييد التهديد لعدم قدرته على ذلك . فليس الأمر ــ مسار بناء القوات ــ أمرٌ تحكمه المراكمة ؛ أي مراكمة ، ولا النوع ؛ أي نوع ، وإنما تحكمه الحاجة وسدها ، والتهديد والقدرة على كبحه . وفي هذا تفصيل وبحث فني بحت يطول الحديث فيه ، ويمكن أن يختصر بضرب مثال بمن يأكل الطعام دون أن يعرف مقدار حاجته له ، أو النافع والضار منه ، ويحسب أن مجرد ملء البطن يعني عافية وصحة ، ويغيب عن ذهنه أن هذا الملء العشوائي قد يكون فيه حتفه بتخمة تقعده أو تسمم يقضي عليه .
أما في عنوان الخلط الثالث والمرتبط بفهم حدود ومحددات القدرة عند التشغيل ؛ والذي هو أصل بحثنا هذا ، والذي هو أصل فكرة هذان المقالان ، فإننا سنتحدث عن أهم هذه المحددات التي تضع الحدود على تشغيل القدرات القتالية ، فليس صحيحاً أن القائد العسكري أو حتى السياسي يمكن أن يستخدم أو يشغل ما يملك من قدرات دون رقيب أو حسيب ، وأنه ما دام يملك فلا أحد يمكن أن يوقفه إن قرر التشغيل . وهنا أيضاً المطالع لحركة التاريخ وما فيه من حروب وصراعات خشنة ، يرى أن المتحاربين كان يقف دونهم ودون استخدام ما يملكون من قدرات ؛ محددات شتى ، ويحول دونهم ودون استثمار كامل قدراتهم حوائل كثيرة ؛ ما لم يكن القائد العسكري يخوض حرباً انتحاريةً لا أفق فيها للنصر ، فيقرر استخدام كامل قدراته ، مفضلاً استنفادها على وقوعها في يد أعدائه .
فما هي هذه المحددات وما هي تلك القيود ؟ التي تقييد استخدام كامل القدرات والتي ــ القيود ـ يتم وضعها من قبل القيادة السياسية للدولة أو القيادة الميدانية للحرب .
هذا ما سنتحدث عنه في الجزء الثاني من هذا المقال ، على أن نتطرق في الجزء الثاني إلى العناصر التي تساعد على جعل القوة عند الاستخدام ، عنصر حاسم في تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى