أخبارتقارير و دراسات

العلاقات المدنية العسكرية … جدلية الاختصاص والمسؤولية “الجزء الأول”

✍️الخبير العسكري والأمني أ. عبد الله أمين

كنا قد تحدثنا في المقال الأول عن علاقة المدنيين بالعسكريين في هيكلات الدولة ، وطبيعة المهام المتصورة من قبل الجهات المدنية ممثلة بالحكومة ووزاراتها مجتمعة أو وزارة الدفاع منفردة من حيث تحديد المهمات ووضع الضوابط والسياسات وتأمين القدرات ، ونتحدث في هذا الجزء الثاني عن طبيعة الصلات والعلاقات التي تربط المستوى العسكري بالمستوى المدني في الدولة.
علاقات المستوى العسكري بالمستوى المدني :
بعد أن بينا بشكل سريع وموجز مهام المستوى المدني تجاه المستوى العسكري ، الأمر الذي يمنع التصادم والاحتكاك غير المحمود ؛ سنتطرق الآن إلى العلاقات التي تربط بين المستوى العسكري والمستوى المدني ، والتي يؤدي فهمها العمل بمقتضاها إلى تركيز جهات الاختصاص العسكرية على أصل الهدف من تشكيل مؤسستهم على اختلاف صنوفها واختصاصاتها ، كما سنعرج بشكل سريع كمقدمة لهذا العنوان على مجموعة نقاط تساعد على تقبل العسكريين لسلطة المدنيين عليهم ، فتتضافر وتتكامل جهود كلا الجهتين لتحقيق الهدف الرئيس الذي من أجله خولهم الاصيل ( الشعب ) سلطة الحديث عنه وتمثيله أمام الآخرين وتنازل ( الشعب ) لهم بموجب هذا التخويل عن جزء من حريته الشخصية ومصلحته الفردية . فما هي هذه العوامل التي تساعد في تقبل العسكريين لسلطة المدنيين ؟ إن من أهم هذه العوامل ما يأتي :
1. اصرار السلطة المدنية على المحافظة على صلاحياتها :
من أهم عوامل التقبل المشار لها ؛ هو اصرار السلطة المدنية على المحافظة على صلاحتيها التي منحها لها الأطار الدستوي الحاكم للبلد ، فهذا الإطار الدستوري تم التوافق عليه من قبل كامل الشرائح المجتمعية ( الأصيل ) ، ثم خُوّل هذا الوكيل (المستوى السياسي ) القيام بمهامه مسترشداً به ومستمداً شرعيته منه ، لذلك لا يجب أن يَهِن المستوى السياسي في ممارسة صلاحايته ولا يجب أن يظهر عجزاً أو ضعفاً أثناء قيامه بمهامه ، ولا يجب عليه أن يتقبل التدخل من قبل أي جهة أخرى في أعماله ووظائفه الممنوحة له من قبل الشعب بناء على الدستور والعقد الاجتماعي المتوافق عليه .
2. التزام عسكري لا يتزعزع تجاه حكم ديمقراطي مع اعتقاد راسخ بمبدأ السيادة المدنية :
إن التزام المستوى السياسي بمندرجات العقد الاجتماعي المؤسس للدولة ،والدستور الذي يسير أعمالها وينظم مسار حركتها ؛ ينتج وحدة سياسية ( دولة ) يعرف كل مكون من مكوناتها المهام المطلوبة منه والسياسات والضوابط مرعية الإجراء التي يجب المحافظة عليها ، فلا تتغول سلطة على سلطة ولا حاكم على محكوم ، الأمر الذي يجعل المستوى العسكري يرى في المستوى السياسي أنه ممثل حقيقي للشعب الذي هو منه ولاجل حمايته والدفاع عن مصالحه ــ التي هي مصالحه أيضاً ــ أنشيء ، فيتولد عن مثل هذا الشعور احساس بالولاء للدولة المتجسدة بالطبقة الحاكمة ، فتنصاع القوة الخشنة للقوة الناعمة وتنقاد بقيادها .
3. احترام المستوى السياسي المدني للاستقلال الذاتي للعسكريين المحترفين والاحساس بالثقة في القيادة العليا للقوات المسلحة :
وحيث أن المستوى العسكري قد انصاع للمستوى السياسي وانقاد بقياده وسلم له إدارة القدرات الناعمة للدولة ليحقق الأهداف ويدافع عن المصالح ، ووثق في قدرته ؛ فإنه ــ المستوى العسكري ـ ينتظر من المستوى السياسي أن يبادله نفس الشعور ، ويمحّضه نفس الثقة ، لتتكامل وتتضافر الجهود ، فتتحقق الأهداف بأقل الخسائر وأقل المجهود .
4. وجود إطار دستوري يوضح مجالات عمل كل من السلطتين السياسية والعسكرية :
إن أهم أدوات فض الخلاف فيما يقع من سوء فهم أو تجاوز للصلاحيات من أي سلطة أو إطار هيكليٍ من أطر وسلطات الدولة ؛ وجود نصوص دستورية توضح مجالات عمل ومسؤوليات كل من هذه الأجسام ، فيعرف كل منها حده فلا يتجاوزه واختصاصه فيركز عليه ، وفي غياب مثل هذه النصوص والقوانين ، فإن مظنة الخلاف عالية ومساحات الاشتباك متوفرة ، لذلك لا بد من وجود مثل هذه الأطر الدستوية ابتداءً لتمنع الخلاف انتهاءً ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه النصوص ، نصوص غير جامدة ، فهي تراعي متطلبات الموقف وتتطور بتطوره لتجيب على تعقيداته .
وعليه … وبعد أن بينا العوامل التي تساعد على انصياع الأدوات الخشنة للأدوات الناعمة ، نأتي الآن للحديث عن طبيعة العلاقات المتصورة التي تربط العسكري بالمدني ، والتي هي عبارة عن علاقات ذات طابع :
1. استشاري :
إن أول علاقة تربط المستوى العسكري بالمستوى السياسي هي عبارة عن علاقة استشارية ؛ تأخذ طابع الإلزام في مجال الاختصاص ، والمشورة فيما سواهما . فالمستوى السياسي عندما يضع الأهداف والغايات العليا للمجتمع الذي يمثله ويحدد الأدوات التنفيذية وطرق العمل التي توصله إلى تلك الأهداف ؛ فإنه يعمد إلى استشارة أهل كل اختصاص في مجال عملهم والدور المنوط بهم لتحقيق تلك الأهداف ، وهنا يأتي دور العسكري ليقدم استشارته الفنية الملزمة التي تجسد دوره في تحقيق الأهداف ، فكما قلنا سالفاً ؛ فإن أحد أدوار المستوى العسكري تجاه المستوى السياسي ، تحويل أهدافه السياسية إلى مهام عسكرية حيث تقتضي الحاجة ويتطلب الموقف .
2. تمثيلي :
كما أن أحد الروابط التي تربط المستوى العسكري بالمستوى السياسي ، هي رابطة التمثيل ؛ فالقيادة العسكرية العليا ممثلة بقيادة الجيش ورئاسة الأركان تمثل كل المؤسسة العسكرية بمختف صنوفها واختصاصاتها أمام المؤسسات المدنية كافة ، فالمؤسسة العسكرية مؤسسة مترامية الأطراف جغرافياً كبيرة الحجم عدداً ، وتحتاج إلى من يمثلها ويتحدث باسمها أمام باقي هيكليات الدولة وأطر عملها ، وهنا يأتي دور المؤسسة العسكرية أو من تخوله ليقوم بهذا الدور وينجز تلك المهمة .
3. تنفيذي :
كما قلنا سابقاً ، فإن من مهام المؤسسة العسكرية ، تحويل الأهداف السياسية إلى مهام عسكرية ، فعندما تعجز الأدوات السياسية عن الفعل ، تتقدم الأدوات العسكرية لتحل العقد وتمهد الطرق ، فتصبح المؤسسة العسكرية هي الأداة التنفيذية التي تفّعل ــــ ضمن السياسات والضوابط المقرة ــــــ من أجل تعديل وتحسين الموقف وتغيير معطياته بما يساعد على تحقيق الأهداف ومراكمة الإنجازات .
4. دفاعي :
قلنا أن الدولة متعددة الهيكليات ومختلفة الاختصاصات ، لذلك وفي ظل مثل هذا الوضع تتزاحم الأولويات وتتضارب المصالح ، وتدافع كل جهة عن وجهة نظرها ، وتطلب لنفسها ما يساعد على تحقيق أهدافها ، والعسكريين ليسوا بدعاً من الأمر ، ويحتاجون لمن يدافع عن مصالحهم ، فهم من يضحون بدمائهم ويزهقون أرواحهم في سبيل تحقيق غايات دولهم ودفاعاً عن أبناء جلدتهم ، وأمام الدماء والأشلاء ترخص كل الاشياء . لذلك كان لابد للمؤسسة العسكرية من وجود من يحمل همها ويدافع عن مصالحها التي تمكنها من تحقيق الأهداف التي من أجلها أُنشئت ، وهنا يأتي دور وزير الدفاع ووزارته ــ وفي هذا تفصيل ليس هنا مكانه ـــ الذين تناط بهم هذه المسؤولية وتلقى على عواتقهم تلك المهمة
5. استقلالي :
كما يمكن أن تقوم السلطات العسكرية بمحاولة تغيير وقلب السياسة العسكرية أو الأمنية الوطنية للحكومة من خلال اشتراك المؤسسة العسكرية في نشاط سياسي صريح ، وهي ــ المؤسسة العسكرية ــ تقوم بمثل هذا الدور غير المرغوب فيه إن شعرت أن رأيها ومشورتها الاختصاصية لا يؤخذ بها أو أن من يمثلها لا يشبهها وأن لا مدافع عنها وعن مصالحها وحقوقها ، فتخرج الأمور عن السيطرة ، وتستقل المؤسسة العسكرية برأيها وفعلها ، مجسدة هذا الاستقلال بأنماط السلوك التالية :
1. التقليل من شأن أهداف المؤسسة السياسية وعدم تنفيذ قراراتها والتغلب عليها بالحيل .
2. التصرف خارج نطاق صلاحياتها .
3. رفض إطاعة الأوامر والتهديد بالاستقالات الجماعية .
4. الإنقلاب على المؤسسة المدنية وتسلم زمام الحكم .
ونختم بأصل الأصول في هذا المجال والذي يؤدي عدم رعايته إلى خروج الأمور عن السيطرة وهدم الهيكل على رؤوس أصحابه ألا وهو : أن عدم الانضباط في العمل العسكري يؤدي إلى الانقلابات ، وعدم الانضباط في العمل الأمني يؤدي إلى ثورات .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى