تقارير و دراسات

العلاقات المدنية العسكرية … جدلية الاختصاص والمسؤولية “الجُزء الأول”

✍️ الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين

الجزء الأول

يعزى إلى شارل ديغول أنه كان يقول : إن السياسية أخطر بكثير من أن تترك للسياسيين وحدهم ليقرروا في شؤونها ، وأن الحرب من الخطورة بمكان من أن تترك للعسكريين ليتحكموا فيها بمفردهم .

إن الجدل والخلاف فيما يخص العمل العسكري وتقرير وقته ومآلاته ، وهل هو من اختصاص العسكريين المهنيين فقط ؟ جدلٌ كان وما زال وسيبقى مثار خلاف بين المستويين المدني والعسكري إنطلاقاً من تلك المقولة الشهيرة للقائد ليدلهارت والتي قال فيها إن الحرب ما هي إلا إمتداد للسياسة ولكن بوسائل خشنة ، وعليه فإن زمام أمورها ــ الحرب ــ يجب أن يكون للسياسيين ، وأن العسكريين المحترفين المهنيين ما هم إلا أدوات تنفيذيه في هذه الموقف المعقد .

وحيث أن العمل السياسي عندما يصل إلى حائط مسدود وتنتهي أدوات فعله من مفاوضات ولقاءات ومراسلات ويسلم الأمر للسلاح لحل عقد الموقف فلا بد أن يترك له ــ للسلاح ــ أمر إدارة الموقف إلى حين إيصاله إلى نهاياته المرجوة بحيث يسلم إدارته ــ الموقف ــ للجهات السياسية لتحصد بحكمتها وصلابتها ومناوراتها وما وفره ــ السلاح ــ لها من نتائج وإنجازات ؛ ما تحقق به المصلحة العامة والهدف النهائي الذي عجزت عن تحقيقه على طاولة المفاوضات .

إلا أن هذا الأمر ــ تقاسم الأعمال بين السياسي والعسكري ــ لم يكن في سالف الأيام وما تقدم من عصور على ما نحن عليه الآن من تمايز وتقاسم ؛ فقد كان الملك أو الأمير هو أعلى سلطة سياسية حاكمة في البلد وهو من كان يدير المفاوضات السياسية أصالة بنفسه أو عبر وكيل أو رسول يحمل رسالته لخصمه ،كما أنه هو من كان في حال تعقد الموقف وتطوره من يجيّش الجيوش ويضع خططها ويقود جحافلها في الميدان ، بل إن الحرب هي التي كانت تصنع مجد أولائك القادة من خلفاء وسلاطين وملوك وأمراء ، والمتتبع للتاريخ يرى ذلك في كل صفحه من صفحاته ؛ فالخليفة هو من عبأ القوات وسار بالجيش ، والملك حشد وخاض غمار معركته ، وما استحق الأمير ولاية عهد أبيه من بين إخوته الكثر ؛ إلا لأنه خاض تلك المعركة ونجى من ذاك الاشتباك . ولكن في العصر الحديث ومع تعقد أمور الحكم وزيادة متطلبات إدارة الدول والممالك ، ظهر التمايز وبان الاختلاف ونشأ على إثر ذلك الخلاف بين سلطة المدنيين واختصاصاتهم وصلاحيات العسكريين ومسؤولياتهم ، ونشأت وزارات وإدرات تختص بالشأن المدني وأخرى مجال عملها وميدان فعلها العمل العسكري ، لكن هذا النشوء لتلك الهيكليات والوزارات لم يمنع حدوث الخلاف والنزاع حول المسؤوليات والصلاحيات ، وأين يبدأ عمل السياسي وأين ينتهي ؟ ومتى يتحرك العسكري وأين يقف ؟ وتولد من جراء هذا النزاع في بعض الدول حالات احتكاك تحولت إلى طاقة متفجرة نتج عنها انقلابات عسكرية دموية أهلكت الحرث والنسل ، بدل أن يتولد عن حالة الاحتكاك تلك طاقة حركية تدفع مصالح الدولة للأمام في مسار تحقيق الانجاز ومراكمة الامتيازات .

إن هذين المقالين سوف يحاولان ترسيم ــ وبما يسمح به المقام ــ خطوط الحد بين المدني والعسكري من حيث الاختصاصات والمسؤوليات ، وكيف يمكن أن يكون تحديد الاختصاصات والمسؤوليات والصلاحيات لكلى المستويين عامل قوة ونقطة إثراء للدولة والشعب ، فيؤمّن السياسي بحنكته وحرصه ودهائه ووضوح رؤيته مصالح شعبه وأهداف دولته ، ويكمل العسكري بقوته وولائه وتضحيته ما لم يستطيعه زميله المدني ، أو يمهد العسكري للمدني الطريق نحو الهدف ليحقق المصلحة .

إن أفضل وسيلة لفض النزاع بين المستويين العسكري والمدني ومنع تصادمهما المذموم والمهلك هو : التحديد والتعريف الواضح لأربعة عناوين تشكل الإطار الجامع والمانع من التصادم والعامل الرئيس في تكامل وتضافر الجهود نحو الهدف ، هذه العناوين هي باختصار : تعريف الاختصاص ، تعريف المسؤوليات ، تعريف الصلاحيات ، تعريف الضوابط والسياسات .

إن الدول عند كتابة دساتيرها وأنظمتها الداخلية تعمد في جزء منها للإجابة على تلك التساؤلات وترسم خطوط الحد بين مختلف الأطر والهيكليات ، آخذين بعين الاعتبار أن السلطة المدنية المنتخبة من الشعب بشكل ديموقراطي حقيقي هي أعلى سلطة حاكمة في الدولة ؛ فهي الوكيل المفوض من قبل الاصيل ( الشعب ) ، وعليه فلا خلاف في أن باقي السلطات ــــ المدنية منها والعسكرية ــــ تأخذ شرعيتها منها ، لذلك لا يملك الفرع أن يتمرد على الأصل ، ولا الوكيل على الاصيل ، ويجب أن يكون واضحاً وضوح الشمس أن المهمة إن أسندت للسياسي فلا يمكن للعسكري أو الأمني أن يتدخل في شأن إدارتها أو تنفيذها ما لم يطلب منه ذلك ، وأن الموقف إن خرج عن قدرات السياسييين وأوكل أمر تنفيذه أو التمهيد له إلى العسكريين ؛ فلا يستقيم الأمر أن يتدخل السياسي في الشأن الاختصاصي للعسكري إلى حين انتهاء الاهداف التي وضعت من قبل أهل الاختصاص ، والتي يصنع إنجازها الأرضية المناسبة التي سيقف عليها السياسي ليدير الموقف بأدوات السياسة ليحقق الأهداف . وعليه ؛ ما هي مجالات عمل كلا المستويين وما هو اختصاصهما ؟
أولاً : مهام المستوى السياسي :
حيث أن من مسلمات الأمور أن إدارة الدولة هي عمل شامل يتضمن الأمور المدنية والعسكرية ، وحيث أن العمل العسكري هو امتداد للعمل السياسي ولكن بوسائل خشنة ، فإن الأمر المسلم به أن أهم مجالات عمل السياسيين في الإطار العسكري هي الأمور الآتية :
1. تحديد أهداف المؤسسة العسكرية ومهامها ( تحديد المهمة ) :
إن أهم الأعمال التي يقوم بها المستوى السياسي تجاه المستوى العسكري هي تحديد مهمة هذه المؤسسة التي تريد الدولة أن تنشئها وتنفق عليها لتشكل لها إضافة نوعية تضفي من خلالها على نفسها مهابة ، ترعب عدواً وتردع معتدياً وتحفظ مصلحة وتحقق هدفاً ، وهذا التحديد الدقيق للمهمة هو الجذر الذي يشتق منه أهل الاختصاص العسكري مهام عملهم ومسارات ومراحل بناء قدراتهم البشرية والمادية ، وسبل الارتقاء بالعديد والعدة ليصبحا في وضعيه ترهب من تسول له نفسه تخطي الخطوط الحمر ؛ داخلياً أو خارجياً .
2. تحديد مقيدات استخدام القوة ( وضع الضوابط والسياسات ) :
كما أن من مهام المستوى السياسي ؛ تحديد مقيدات استخدام القوة ، فما يتحقق بالتهديد لا يجب أن ينجز بالاعتداء ، وما يتطلب انجازه تفّعيل سلاح البر وحده لا يجب أن تعبأ له القدرات الجوية ، ومن يُستهدف في القتال هم المقاتلون ولا يجب أن يٌتعرض للمدنيين ، وأمور من شاكلة هذه السياسات والضوابط والمحددات التي تكبح جموح القوة وتضفي عليها هالة من الشرعية والقدسية .

3. تمكين قيادة الجيش من بناء قدرات قتالية للاستخدام قبل وأثناء وبعد الحرب ( منح الصلاحيات ) :
كم يطلب من المستوى السياسي أن يمنح جهات الاختصاص العسكرية كامل الصلاحيات ويزيل من طريقها كامل العقبات والمعيقات لكي يتمكن من بناء قدرات قتالية قابلة للاستخدام والتشغيل قبل وأثناء وبعد الحرب ، ومن هنا تُفهم قاعدة العمل التي يشتق منها العسكريون مهامهم والتي تقول : أن مهمة العسكريين تحويل الأهداف السياسية إلى مهام عسكرية ، وهذه العملية ــ التحويل ـ لا يمكن أن تتم بنجاح ما لم تكن الجهة المخولة ذلك الأمر ممنوحة كامل الصلاحيات في إدارة شؤون عملها الاختصاصي ضمن المحددات العامة التي تم وضعها من قبل المستوى المدني .

4. تأمين الإمكانيات المادية والمعنوية :
كما أن من مهام المستوى السياسي قبالة المستوى العسكري ، تأمين الإمكانات المادية المتمثلة بالموازنات المالية ، وكذا المعنوية المتمثلة بالتشريعات السياسية والقانونية التي تمكن جهة الاختصاص من رسم مسار بناء القدرات وتطويرها بما يرفع جاهزيتها وكفاءتهيا في القدرة على تحويل الأهداف السياسية إلى مهام عسكرية قابلة للتحقيق والإنجاز .
كان هذا ما اتسع له المقال في هذا المقام ، على أن نتحدث في الجزء الثاني عن العلاقات والروابط التي تربط العسكريين بالمستوى المدني ، والعوامل التي تجعل العسكريين متقبلين لسلطة المدنيين عليهم ، آملين أن يكون هذا البحث محل نقاش من ذوي الاختصاص لإثراء المفهوم وتطوير السلوك .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى