أخبارتقارير و دراسات

بين الردع والرعب … جدلية المصطلحات والمفاهيم !!!”الجزء الثالث”

✍️الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين

الجزء الثالث

شبكة الهدهد

تحدثنا في المقالين السابقين عن الردع والرعب ؛ فعرفناهما وذكرنا ما هي متطلبات إنشاء معادلاتهما ، وكيف أن القوة الرادعة حتى تحقق ما من أجله أنشئت ؛ لا بد لها من أن تمنع الاعتداء قبل أن يقع ، من خلال التأثير على صانع القرار بحيث يبيت مقتنعاً أن ما سيحققه من مكاسب من خلال قيامه بالعدوان ، أقل بكثير مما ستتسبب به الحرب له من خسائر إن هو مضى في شنها . وقلنا أن من لوازم تلك المعادلات وجود قدرات قتالية مثبتة الفعالية ، يردفها قرار حاسم باستخدامها وتفعّيلها إن اقتضت الحاجة ، وقد خلصنا في الجزء الثاني من هذه السلسلة إلى أن الردع لا بد أن يسبقه الرعب كمقدمة ولازمة له ، وأنه لا يمكن أن نتصور حالة يردع فيها العدو انتهاء ما لم يكن قد أُرعب ابتداءً . وفي هذه المقالة الختامية سنتطرق إلى بعض الملاحظات ونطرح بعض التساؤلات حول كلا المفهومين وما يتركه تبني أي منهما من أثر على مسار بناء وتفعّيل القوات ؛ بشقيه المادي والبشري . إلا أننا سنبدأ بالتساؤلات الآتية حول تبني معادلة الردع ؛ و هل أن هذه المعادلة تصلح أن تكون بين حركات المقاومة التي ما زالت أراضيها تحت الاحتلال عدوها الذي يسرح ويمرح في طول البلاد وعرضها ؟ أم أن هذه المعادلة تصلح وبشكل جزئي وظرفي بين المقاومة التي حررت جزء من أرضها وجعلت منه رأس جسر للتحرير ومنطقة آمنة تحشد فيها القوات والمقدرات انتظاراً للمعركة الحاسمة ؟ وهل يسع حركات المقاومة المطاردة أو المحتلة أرضها بالكامل أن تقيد وتلزم نفسها بما يحد من حركتها ويجمد من نشاطاتها ؟ وهل يصلح أن تتبنى تلك الحركات المقاومة ما تتبناه الدول من معادلات وما تفرضه على نفسها من ضوابط وسياسات ؟ إن هذه التساؤلات وغيرها الكثير ــ لا يتسع لها المقام ـــ ستكون مدخلنا للحديث عما يمكن أن تعكسه هذه المعادلات على مسار بناء القوة والقدرات ، آخذين بعين الاعتبار أننا نتحدث عن حركات المقاومة المحتلة أرضها المطارد شعبها وقادتها .
الردع وموجباته :
صحيح أن الردع المتبادل بين المقاومة وأعدائها قد يولد حالة نسبية من الأمن والأمان ، تستطيع من خلالها المقاومة أن تبني قدرات وتراكم مقدرات ، إلا أن هذا الموقف وتبني تلك الاستراتيجية ، ينطوي على مجموعة محاذير لا تملك المقاومة ترف الاقتراب منها ، ومن هذه المحاذير ما يأتي :

1. ثِقلً مكبلٌ ومقعد : إن أول ما ينعكس على التشكيلات العسكرية ــ نظامية أو غير نظامية ــ من تبنى مثل هذه الاستراتيجية هي حالة الجمود في عمليات التصريف ، فتصبح كمن يأكل الطعام بمخلتف صنوفه من بروتينات ونشويات وكربوهيدات ، ولكنه في نفس الوقت لا يتحرك ولا يمارس الرياضة ، فتتحول كل ما تحتويه هذه الأطعمة من طاقة إلى حالة من السمنة ومراكمة الشحوم التي تجعل من الجسم ثقيل يصعب تحريكه ، فيرتفع ضغطه ويزداد سكره وتغزوه الأمراض من كل جانب ، ويستحيل ما يراكمه من طاقة إلى مضر لا ينفع . وكذا الحركات التي تتبنى استراتيجية الردع المتبادل ، فإنها مع مر الأيام ومراكمة القدرات ؛ يثقل جسمها وتظهر تفاصيله وتقاطيعه ويصبح سهل التشخيص من قبل العدو ؛ ثقيل المناورة والحركة ، سهل الاستهداف والضرب ، وجز ما راكمه من عشب .

2. الجمود وبقاء الحال على ماهو عليه : كما أن من نتائج تبني معادلة الردع المتبادل بين حركات المقاومة وعدوها المحتل ؛ أن يبقى الحال على ما هو عليه ، فالردع المتبادل يعني ( سلام يا جاري أنت في حالك وأنا في حالي ) ؛ وهنا إن كان العدو يملك ميزة الجمود وعدم الحركة والاستمتاع بما سلبه من خيرات وما صادره من مقدرات ؛ فإن حركات المقاومة لا تملك ترف مثل هذه المعادلة ، فهي إنما نشأت من أجل تحرير الأرض والإنسان ، ولازمة هذا الأمر الحركة والمناورة ودوام الاحتكاك والاشتباك مع العدو ، حتى لا يهنأ له حال ولا يستقر له فيها مقال . فإن تراضينا وإياه بردع متبادل ، حاز ــ العدو ــ ميزة الاستمتاع بما نهب ؛ وخسرنا نحن سبب الوجود ــ مقاومة العدو ــ .

3. التأثير على جاهزية ونفسية القوات : إن من أهم مهام قيادة أي تشكيل عسكري ؛ مقاومة كانت أم جيوش دول ، هي بناء الجاهزية القتالية والمحافظة عليها والعمل على مضاعفتها ، والجاهزية كما أنها في شقها المادي تعنى ببناء ومراكمة القدرات ، فإنها في شقها المعنوي تعنى بإيجاد الدافعية والرغبة في القتال والتضحية ، وهذان الأمران ــ القدرة والرغبة ــ إن كان من مقتل لهما فهو الجمود وعدم الحركة !! وهنا يصدق المثل القائل أن الماء إذا سكن أسن ، والقدرة والرغبة إذا لم تجد ما تصرف فيه وتفعل من أجله ؛ فإنها مع مضي الأيام والأشهر ستضعف وتتحلل وتخبو جذوتها ، لتجد نفسك عند الحاجة لتفعّيل ما تملك من قدرات ؛ أمام جسم فاقد الرغبة معدوم الحيلة راكن للدعة والراحة ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن القوات المسلحة ، في الدول والحركات المقاومة ومن أجل التسديد والمقاربة بين شقي معادلة بناء القدرات ومراكمتها للتفّعيل عند الحاجة والمحافظة عليها من أن تستهدف أثناء البناء فتعاد إلى نقطة الصفر والشق الآخر المعني بالمحافظة على جاهزية القوات والأدوات ؛ تعمد إلى طرق عمل ضد عدوها يمكن أن يقال فيها أنها منزلة بين المنزلتين ؛ احتكاك يقلق العدو ويسلبه الراحة ولا يستفزه للرد الساحق ويشحذ همة المقاتلين ويختبر منظومات القتال وكفاءتها ، وهدوء تُراكم فيه القدرات وتجمع فيه الطاقات .

4. سلب روح المبادأة من المقاومة وإمكانية العدو للمفاجأة : كما أن من لوازم ونتائج تبني معادلة الردع المتبادل بين العدو وبين حركات المقاومة ؛ ما تلزم المقاومة نفسها به ؛ حكماً ، من ضبط للنفس وعدم الاعتداء ، فهذا الموقف ــ الردع المتبادل ــ يُنشئ لنفسه معادلات تجبر كلا الطرفين على احترامها ، حتى لو لم يكن بينهما وسائل اتصال أو تفاوض ، فأنت (العدو ) عندما تملك ما يضرني ويؤثر على مصالحي ، وفي نفس الوقت أملك ما أرد به على اعتدائك إن سولت لك نفسك الاعتداء ، فمن باب أولى أن يلتزم كل منا حده ولا يتجاوز حدوده ، ولكن المفارقة هنا أن هذا الموقف لا يستقيم أن تلزم المقاومة نفسها به ، فهي تقاتل عدوها في حرب غير متكافئة وأهم أصل في هذا النوع من الحروب الذي يمكن أن يجعل منها ــ الحرب ــ في صالح المقاومة هو تحويل نقاط قوة العدو إلى نقاط ضعف ، وهذا أمر لايمكن أن يكون ما لم تكن حركة المقاومة تملك وتحافظ على روح المبادأة وتستثمر أصل المفاجأة ، الأمر غير المتصور في حالة استقرار معادلة ردع متبادل بينها وبين عدوها .
الرعب ومقتضياته :
لن نطيل الحديث حول الرعب والخوف وما يمكن أن ينشئه من حالة نفسيه وتعبوية لدى القوات العسكرية ؛ النظامية وغير النظامية ، فمثل هذه القوات التي تعيش في حالة خوف من عدوها أن يدهمها أو أن يفجأها ؛ إنما تعيش في حالة من الترقب واليقظة والحافزية التي تحرم العدو من أن يفجئها ، والدافعية التي تحملها على التعرض لعدوها لتدمر ما يراكم من قدرات وما يدخره من طاقات ، وكل هذه الأعمال والشعور إنما تولد حالة من الجاهزية القتالية المتجددة مع كل اشتباك ومع كل احتكاك ؛ أكان من طرف المقاومة باتجاه عدوها ، أو كان من طرف العدو اعتداءً على المقاومة ، كما أن مثل هذا الشعور ــ الخوف ــ هو من أهم دوافع توفير أصل التأمين الشامل ــ أفراد منشآت معلومات ــ الذي يسد ثغرات الجسم ويحجب رؤية العدو للخلل ، فلا تؤتى التشكيلات على حين غرة ولا تضرب في مقتل ( بالمرة ) .
كان هذا أهم ما يمكن أن ينشأ من أثر ناتج عن تبني حركات المقاومة لمعادلة ردع أو رعب متبادل بينها وبين عدوها ، مع ما يقال من فضل لمثل هذه المعادلة ــ الردع ــ من حيث رفع نسبة الأمن والأمان ، وإمكانية مراكمة القدرات والطاقات ، ولكننا نعتقد أن مثل هذه المعادلة ، إنما تستقيم وتنفع ، وبشكل جزئي ومؤقت لحركات المقاومة التي حررت أغلب أراضيها وشعبها ، وجعلت جزءاً من الأرض وبعضاً من الشعب رأس جسر تبنيه وتطور قدراته وتراكم طاقاته استعداداً لمعركة التحرير النهائية ، أما تلك الحركات التي ما زالت تنوء تحت أثقال المحتل ويعيث في أرضها فسادا ً، فإن مثل هذه المعادلة ــ الردع المتبادل ـ إنما هي مُكبل وعائق وترف زائد لا تملكه ، بل أكثر من ذلك بحيث يمكن أن يقال أن العدو إن كان لا يرى سبيلاً لوقف مراكمة المقاومة للقدرات والطاقات ، وأن مثل هذا الأمر قد خرج عن السيطرة ولا يمكن وقفه ، فإنه ـــ العدو ــ يحول نقطة القوة هذه ــ مراكمة القدرات ــ إلى نقطة ضعف للمقاومة عندما تبدأ تشعر أن جزء من هدفها هو المحافظة على هذه القدرات من أن تبدد أو أن تستهدف ، فتتحول الوسيلة إلى هدف !!!
وعليه فإننا نرى أن ما يجب أن يحكم العلاقة بين العدو وحركات المقاومة ، إنما هي معادلة رعب وخوف وفزع ، يرى العدو معها أن احتفاظه بما سلب ونهب إنما هو عبء لا يمكن تحمله ومولد رعب وخوف يدفعه إلى إخراب بيته بيده ، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لابد من مقاطع زمنية تفعّل فيها معادلة الردع المتبادل غير المعترف بها جهاراً من قبل المقاومة ، تمهيداً لمراكمة ومضاعفة قوة الرعب والفزع والخوف التي يرى معها العدو أن سلامته في خروجه وأمنه في تخليه … وإن كان عدوك نملة فلا تنم له .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى