أخبارتقارير و دراسات

بين الردع والرُعب … جدلية المُصطلحات والمفاهيم !!! “الجُزء الأول”

✍️ الخبير العسكري والأمني أ . عبد الله أمين

الجزء الاول 1/3

كثير منا شاهد في الافلام الوثائقية التي تبث عبر محطات التلفزة المختصة بهذا النوع من المواضيع ؛كيف تقوم الحيوانات المفترسة خصوصاً ، والحيوانات الأخرى عموماً بتحديد مكان إقامتها والمحيط الذي تتحرك فيه ، بحيث لا يتعدى أحدٌ على خصوصيتها ومجالها الحيوي ؛ فالأسد مثلاً ينثر بوله في المحيط الجغرافي الذي يتجول فيه ويتردد عليه ليُعلِم من يأتي إلى هذا المكان من أسود أو فهود ، أن هذا المكان إنما هو ملكية خاصة لهذا الساكن صاحب الرائحة ــ الأسد الذي نثر بوله في المكان ـ ، ولكن من أفضل المشاهد التي تختصر أصل موضوع مقالاتنا حول الردع والرعب والجدلية الخاصة بهما ؛ مشهد الدب الأشيب الذي نراه يتجول في الغابات ؛ فهو يتجول ليحدد مجاله الحيوي مستخدماً خطوات وإجراءات بناء معادلة الردع التي سنأتي على ذكرها تفصيلاً ، فهو ــ الدب الأشيب ـ يمشي في المكان الذي راق له وقرر أنه سيكون مجاله الحيوي حاكاً بدنه بأشجاره ونباتاته تاركاً أثر رائحته على هذه النباتات وتلك الأشجار ، ومن ثم فأنه يعمد إلى شجرة من تلك الأشجار في تلك المنطقة رافعاً نفسه على قائمته الخلفيتين موصلاً مخالب قوائمه الأمامية إلى أعلى نقطة تصل لها تلك القوائم ، ومن ثم يغرس مخالبه بالقوة التي يستطيع في جذع تلك الشجرة تاركاً فيها آثاراً عميقة بقدرة قوته وصلابة مخالبه وحدتها .

إن هذا الدب ومن خلال هذا السلوك إنما يريد بناء معادلة ردع مع بني جلدته من الدببة وغيرها من الحيوانات التي تتجول في المكان ؛ يقول للجميع عندما تدخل في هذا الحيز ــــ من خلال الرائحة التي تركها في مختلف الأماكن ـــــ إنك إنما دخلت إلى أملاك خاصة وحيز حيوانٍ آخر ، ولكن هذه الرسالة لا تكفي للزائر الغريب ، فقد لا يفهم الرسالة بشكل دقيق من خلال شم الرائحة ، وكيف له ــ للزائر ــ أن يتعرف على شخصية صاحب المكان ؛ أهو أقوى منه فينصرف من المكان بأقل الأضرار ؟ أم هو أضعف منه فيبحث عنه ويتحداه وينازله في معركة ينتصر فيها ويخرجه من تلك البقعة الغنّاء ويسكن مكانه ؟ لذلك فإن الزائر يبحث عن القرائن والشواهد التي تجعل الصورة تكتمل عنده ، فيفهم الموقف ، ليقدر صحيحاً ويقرر سليماً ، لذلك عندما يرى الزائر آثار تلك المخالب مغروسة في تلك الشجرة فإنه يقع على ضالته من المعلومات التي تكمل عنده المشهد ؛ فهو يرى أثراً لو حاول أن يصلها قد تكون أبعد مما يقدر أن يصل له ؛ لضخامة صاحب المكان وصغر حجم وبنية الزائر ، فيفهم أن صحاب المكان أطول منه وأضخم ، وعندما يرى مدى انغراس المخالب في بدن الشجرة ؛ عمقاً أو سطحيةً ، فإنه يفهم أن هذا الدب من القوة بمكان مما جعل مخالبه تذهب كل هذا العمق في بدن الشجرة ؛ وعليه لا مصلحة في خوض معركة خاسرة مع هذا العدو كبير الحجم صاحب هذا المكان ، مُثبت القدرة .
إن هذه المقدمة الطويلة إنما اختصرت في ثناياها كل ما تتطلبه عملية بناء معادلة الردع مع عدو خارجي ؛ آدمي كان أو غير آدمي ، ومن هنا نبدأ مقالاتنا لنرى أين سنصل …

تعريف الردع :
الردع هي تلك المعادلة الميدانية التي يتم بناؤها والمسار الذي يطوى في بناء القوة ومراكمتها ؛ بحيث عندما يريد أياً كان الاعتداء علينا أو على مصالحنا ؛ يمنعه فهمه ومعرفته بتلك القدرات ، أو بعضها وكخلاصة لعملية تقييم يقوم بها ــ المعتدي ـ أن المضي قدماً في اعتدائه علينا أن ما سيحققه من مكاسب أقل بكثير مما سيناله من ضرر وعقوبة نتيجة لعدوانه ، وبذلك يحجم على العدوان .

الجدلية بين الردع والرعب :
وفي هذا السياق هناك خلط وجدلية قائمة بين متصدي العمل العسكري أو الأمني عندما يتطرقون لمعادلات الرعب أو الردع إنطلاقاً من مقولة ؛ أيهما أجدى أو أولى ، الردع أم الرعب ؟ هل الدول أو الحركات تبنى معادلة رعب توصلها إلى معادلة ردع ؟ أم العكس هو الصحيح ؟ أأنت تملك من الأدوات والقدرات والنوايا ما يجعل العدو مرعوباً من عقوبتك ، فيرتدع عن الاعتداء عليك ، أو العكس هو الصحيح ، بحيث نبدأ بالردع لنصل إلى الرعب ؟ وحتى لا نطيل في هذه الجدلية ، وحيث أننا نتحدث في فرع من فرع العلوم الإنسانية التي يتسع المجال فيها لتعدد الأفهام والقناعات ؛ فإننا سنتحدث حول متطلبات الردع ونتائجه أو مقتضياته ، ثم عندما نصل للحديث حول الرعب ؛ سنعرف ثم نتحدث عن المتطلبات والمقتضيات ، ونترك للقارئ الكريم أن يقدر ما يصلح له بناءً للموقف الذي هو عليه ، مع أننا في النهاية سنرجح أحدهما على الآخر كوجهة نظر شخصية لا تلزم أحداً ولا ينبنى عليها إلّا ما يلزم صاحبها .
متطلبات الردع : كما أن لكل موقف متطلبات تنبثق عنه ، ولكل طريقة عمل مقتضيات يجب توفيرها من أجل النجاح ؛ فإن لبناء معادلة ردع سليمة تحقق ما من أجله أنشئت ، متطلبات لا يمكن تصور وجود عدو مردوع بدون هذه المقتضيات وتلك المتطلبات ؛ هذا عدا عن وجود رادع ومرودع ابتداءً . وحتى تبنى معادلة ردع واضحة مجدية تؤدي دورها المنوط بها لا بد من توفر العناصر الآتية :

1. قدرة قتالية مثبتة الأداء :
لا بد ابتداءً من توفر قدرة قتالية مثبتة الأداء والفاعلية والكفاءة من أجل تحقيق معادلة الردع مع العدو أو الجهة التي يراد ردعها ، فالردع لا يتم بخطب منبرية أو مظاهرات بشرية ، وإنما لا بد للجهة المردوعة أن يكون لديها قناعة راسخة أن الجهة الرادعة تملك من الأدوات والقدرات المادية والبشرية ، والتي جربت سابقاً وثبتت فعاليتها في أعمال قتالية ، ما يمكنها ــ الجهة الرادعة ــ من أن توجه لها ــ للجهة المردوعة ـ ضربة استباقية لو هي ــ الجهة المردوعة ــ حاولت أن تشكل لها تهديداً ، قبل أن يتحول هذا التهديد إلى إجراء ، أو يمكنها ــ الجهة الرادعة ــ أن تسدد لها ضربة جوابية تجبي منها أضعاف ما هي حققته من اعتدائها ، في مثل هذه الظروف وأمام هذا الموقف ، فإن العقل والمنطق يقول أننا سنكون أمام طرف يعد للألف ويحسب حساب أي إجراء سيقوم به قبل أن يفكر في تفعيله .

2. صدقية الاستخدام :
ولازمة امتلاك تلك القدرة ؛ امتلاك صدقية لدى الطرف المالك تجعل منه لا يلقى الكلام على عواهنه ويحسب حساب كل كلمة تخرج منه ــ فالكلام هنا عليه جمرك ـــ ، فإن هدد باللجوء إلى القوة لوقف العدوان أو الرد عليه ؛ فهو يعني ما يقول ، ولديه من القدرة والتصميم والشجاعة والمشروعية ؛ الداخلية والخارجية ما يمكن معها من تحمل أكلاف ما يهدد به إن هو فعّل التهديد ورد على العدوان بالنار والحديد ، وهنا لابد من وجود ما يؤيد هذه المصداقية في تاريخ هذه الجهة الرادعة ، بحيث عندما تراجع الجهة التي تنوي الاعتداء تاريخ الجهة المقابلة لها ؛ تجد فيه ما يؤيد صدقية ما تتوعد به من ويل ثبور وعظائم الأمور في حال لم يلتجم المعتدى وفاقم الأمور .

3. خطوط حمر :
في هذا السياق لا بد للجهة التي تبنى معادلة ردع مع عدوها من أن تبين ما هي خطوطها الحمر التي لا يُسمح بتجاوزها ، وما هي الأهداف التي لا يمكن أن يتم التنازل عنها ، تحت أي ظرف من الظروف . وهنا لا يجب أن يغيب عن بال الجهة التي تنشئ هذه المعادلة ــ معادلة الردع ــ أنها عندما تريد أن تحدد هذه الخطوط ؛ يجب أن تكون دقيقة ومحددة وعملية في عملها هذا ؛ فما كل ما تملك الدولة من أهداف ومصالح يصلح أن يكون خطاً أحمراً لا يجب تجاوزه أو التنازل عنه ، بل هناك أمور يمكن أن يناور بها ويستغنى عنها ، فكثرة الخطوط الحمر وتشعبها يعني أن لا شيء منها مهم ، وإنما اعتسفت هذه الخطوط اعتسافاً ، وستجعل المراقب يشعر أن الأمور لا تحمل من الجدية ما يلزمه بمراجعة حساباته . وعندما يستقر تعريف وتحديد هذه الخطوط وتلك المصالح والأهداف التي لا يمكن التنازل عنها ، بين مختلف مكونات الدولة ؛ يتم عندها تظهير هذه الخطوط والأهداف والمصالح بحيث يراها القريب قبل البعيد ، والعدو قبل الصديق ، فلا يرعى في حماها حتى لا يقع فيها .

4. وسيلة تواصل وتبادل رسائل :
وحتى لا تفهم الأمور على غير ما هي عليه ، وحتى لا تفسر المواقف بغير ما تحتمل ، لا بد من وجود وسائل تواصل يتم من خلالها تبادل الرسائل بشكل مباشر أو غير مباشر بين الرادع والمردوع ، فلا يقال أننا لم نعرف أن هذا كان خطاً أحمر فتجاوزناه كوننا رأيناه برتقالي اللون خفيف الحمرة فتجاوزنا حدنا !! أو أن يقال أننا لم نكن نعرف أن تلك مصلحة حيوية وهدف لا يمكن التنازل عنه ، فاعتدينا لسوء فهمنا !! يجب أن تحمل وسائل التواصل تلك ما يجعل المردوع يرى رأس جبل جليد القدرة ؛ مثبتة الفاعلية ، فيخشاها ، يرى ذلك المقدار الذي نريد أن يراه ــ المردوع ـــ ليجعله في حساباته عندما يجلس لوضع تقدير قبل تقرر الاعتداء ؛ يرى هذا المقدار في المناورات العسكرية ، أو العروض الموسمية ، أو الاشتباكات والاحتكاكات القتالية مع غيره من المعتدين أو الطامعين .
في النهاية لابد من الإشارة إلى أن القدرات الردعية هي تلك القدرات التي تمنع المردوع من الإقدام على الاعتداء ابتداءً ، فإذا لم تمنعه ــ المردوع ــ من الاعتداء ولم يحسب لها حساباً عندما قام بتقدير موقفه قبل اتخاذ قراره بالعدوان فإنها ــ القدرات ـ لا تعد قدرات رادعة ؛ فلازمة الردع منع العدوان إبتداءً وليس الرد عليه بعد وقوعه انتهاءً .

كان هذا ما اتسع له المجال في هذا المقال ، على أن نتحدث في الجزء الثاني من هذه السلسلة عن الرعب ؛ تعريفاً ومتطلبات ، لنختم في الجزء الأخير من هذه السلسلة ، بمحاذير كل من هذين العملين على حركات المقاومة وطرق عملها .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى