أخبارتقارير و دراسات

المقاومة … متطلبات البناء ومسارات التفكيك !!! “الجزء الثالث”

✍️الخبير العسكري والأمني أ .عبد الله أمين

مسارات التفكيك :

قد يرى البعض أن العودة عن مسار المقاومة أو تفكك مركباتها ونكوص أهلها عنها ومللهم وتعبهم إنما هو أمر يأتي مع تقادم الأيام وطول الزمن ويأس المقاومة عن تحقيق النصر ، ويغيب عن البال أن مسار تفكيك حركات المقاومة وضربها ؛ في الوقت الذي يمكن أن يكون نتيجة لعمل عسكري وأمني خشن ، قد يكون أيضاً نتيجة مسار عمل ناعم سلس تسلكه المقاومة مرغمة أو بتدبير من أعدائها ، وهنا نشير إلى أن مسار بناء حركات معارضة أو مقاومة لأي كيان سياسي من أجل تحقيق أهداف ما ، والعودة بهذا المسار بشكل عكسي نحو التفكيك ؛ إنما هو عمل يدرّس ويُتَدَرب عليه متصدو هذه الأعمال في الكليات العسكرية والأمنية في دورات عليا خاصة بمثل هذه الفنون . وفي هذا السياق فإن المسار العكسي للمقاومة باتجاه التفكيك والاضمحلال يمر في مسارٍ من ثلاث مراحل تحتوي على إجراءات ، يتبع بعضها بعضاً في عمل منهجي تحت ذرائع شتى ، وهنا نشير إلى هذه المراحل وذرائعها وأهم الأجراءات التي يحتويها كل مسار من هذه المسارات بشكل سريع على النحو الآتي :

1. سحب السلاح : إن أول مراحل العودة العكسية للمقاومة يكمن في سحب سلاحها وتحول منتسبيها من عناصر مسلحة ترى في السلاح أحد أهم وسائل تحقيق الأهداف وفرض الإرادة على العدو ومنعه ــ العدو ــ من فرض إرادته عليهم وعلى شعبهم ، حيث يأتي سحب السلاح كنتيجة لظروف موضوعية من أهما :

1. انتصار المشروع والمقاومة : قد تنتصر المقاومة وتصل إلى أهدافها التي من أجلها نشأت ، ويأتي دور التحول من مرحلة المقاومة إلى مرحلة الدولة ، ومن إجراءات القتال إلى إجراءات البناء والتنمية ، وهنا لا يستقيم أن يبقى السلاح في أيدى الناس ، فما كان يصلح زمن المقاومة لا يصلح زمن الدولة ، وهنا تدخل المقاومة في مسار إعادة تأهيل طويلة لعناصرها وكودارها لتحولهم من مقاتلين شرسين ، إلى مدنيين يحتكمون إلى حكم القانون والدولة والدستور .

2. هزيمة المشروع والمقاومة : على النقيض مما سبق ؛ قد تنهزم المقاومة وينتصر عدوها عليها فيخضعها ويفرض إرادته عليها ؛ لألف سبب وسبب ، وما في هذا ــ هزيمة المقاومة ــ ما هو غير قابل للتصديق ، فما كل المقاومات هزمت ولا كلها انتصرت ، وفي التاريخ أمثلة كثيرة ؛ فقد هزمت مقاومات الهنود في أمريكا الشمالية واستسلم قادتها وساد المحتل ، وفي أفريقيا تكرر المشهد في اكثر من مكان . وفي مثل هذه الظرف فإن أول ما يقوم به المحتل هو سحب سلاح المهزومين ووضعهم إما في السجون أو في (محاضن ) إعادة ( التأهيل ) ليتقبل صاحب الحق ، غاصبَ حقه .

3. انفضاض الحاضنة الشعبية : قد تتعب الحاضنة الشعبية من تبعات المقاومة ولا تعود تتحمل أكلافها ، لأسباب كثيرة ؛ كشراسة المحتل في رد فعله على أفعال رجال المقاومة التي يوجهها ــ ردات الفعل ــ ضد الحاضنة الشعبية ، أو يأس هذه الحاضنة من إمكانية النصر وتحقيق الأهداف ، فالدافع الرئيس لتحول الحاضنة المدنية إلى حاضنة شعبية تؤوي المقاومين وتقدم لهم الدعم ؛ إنما هو في وجود وضع معاشي وسياسي مرفوض يقابله في الأفق وضع مرغوبٌ يمكن الوصول له بتحمل أكلاف المسير ، مع وجود إمكانية النجاح في عملية التحول من المرفوض إلى المرغوب ، فإن لم يكن كذلك فإن الحاضنة الشعبية قد لا تواكب عمل مجاميع المقاومة والعاملين فيها ، كما يمكن أن تنفض الحاضنة الشعبية عن المقاومة إن هي رأت في منتسبيها ما لا يمثل طموحها وما لا يشبهها ــ الحاضنة الشعبية ــ من قول أو فعل ، فإذا انفضت الحاضنة الشعبية ، فما هو مبرر المقاومة ؟ ولأي شيء تقاتل وتحمل السلاح ؟

4. تخلي الحليف الداعم : كما يمكن أن يُسحب السلاح عنوة من المقاتلين وبشكل تدريجي ، عندما يتخلى الحليف عنهم فلا يمدهم به ولا يؤمنه لهم ، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أهم سبب لعدم حصول مثل هذا الموقف إنما يكمن في شعور الحليف أن هذه المجموعة التي يدعمها ويتحمل معها ولأجلها الضغوط الداخلية والخارجية ، إنما هي ممثلة لغالبية أبناء شعبها ، وأنه يتقاطع معها في كثير من الأهداف ، وأنها ــ المجموعة المقاومة ــ عندما تحقق أهدافها الخاصة فإنها أيضاً تؤمن له بعضاً من مصالحه وتحقق له جزءاً من أهدافه ، وفي غير هذه الحالة ــ تشارك المصالح وتقاطع الأهداف ــ فإمكانية تخلي الحليف الداعم أمرٌ وارد وشيء محتمل !!

5. التحول الأيدلوجي : قد يصيب حركة المقاومة تحول في الأيدلوجية التي قامت عليها إبتداءً ، وهذا التحول من الممكن أن يصيب الحركة جراء ؛ خيانة الكادر القيادي في مختلف مستوياته ، أو من خلال دخول أفراد على الجسم لا يتحملون نفس الأفكار التي قامت عليها الحركة من البداية ، فيبدأ التحول ويسير قطار التغيير .

6. التحول الاستراتيجي : كما يمكن أن يتم سحب سلاح المقاومة من خلال حدوث تحول استراتيجي في البنية الفكرية والمنظومة القيمية التي قامت على أساسها الحركة ، مما يحدث تغير وتبدل في الأهداف والأوليات ، قد يفضي إلى سحب سلاحها في نهاية المطاف ؛ رغبةً أو عنوةً .

2. اعادة الهيكلة : في هذه المرحلة تبدأ حركة إعادة هيكلة العاملين في المقاومة من توزيعهم على مختلف مجالات العمل المدنية تحت ذريعة البناء وحاجات الدولة التي تختلف عن حاجات المقاومة ، فتتوزع الطاقات التي كانت قد حشدت في مكان واحد لتحقيق هدف واحد تحت إمرة قيادة واحدة ، ليصبح هدفها أهداف وقيادتها قيادات ، وهنا تسير العملية وفق مجموعة إجراءات من أهمها :

1. اختيار هوية سياسة أو اجتماعية أو اقتصادية جديدة للحركة : قد تتم اعادة هيكلية حركة المقاومة من خلال اجبارها أو دفعها بكامل إرادتها لاختيار هوية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية جديدة ، غير التي قامت على أساسها ونظّرت لها واستقطبت وجندت المصادر البشرية بناء عليها ، وفي حال تغير تلك الهوية والذي ينتج عنه تغير في الأعمال والاهتمامات والأولويات ، فإن أول ما يستتبع ذلك الأمر هو تغير الهيكلية لتخدم التوصيف السياسي والاجتماعي والاقتصادي لها ، لتتواءم الهيكلية الجديدة مع التوصيف الجديد .

2. توزيع الطاقات والخبرات على الأطر المدنية : في هذه المرحلة تصنع بحق أو بدون وجه حق ، لحاجة ضرورية أو لحاجة يصور أنها من الضرويات التي لا يتم الواجب إلا بها ، كثير من الأطر والهيئات المدنية من مراكز دراسات وجمعيات خيرية وأطر نقابية وطلابية وأعمال تعنى بالشؤون النسائية وأخرى للناشئة و … ، والهدف الرئيس لمثل هذه الأطر وتلك الهيئات إفراغ المقاومة من عنصرها البشري المدرب والمؤهل وإيهام العاملين أنهم إنما يقدمون خدمات جليلة لحركتهم ومقاومتهم ، فيعزفون عن الأعمال الخاصة التي تتطلب أكلاف عالية من ضريبة الدم والاعتقال والتشريد والمطاردة وغيرها من أكلاف العمل المقاوم الحقيقي .

3. بناء المؤسسات والإدارات المدنية : كما قد يقتنع المقاومون أنهم بتحريرهم جزء من أرض وطنهم إنما هم قد وضعوا رجلهم على مسار التحرير النهائي ، وأن ما حُرر قد يصلح أن يكون نواة لدولة ، فتنقلب طريقة التفكير ويعاد ترتيب الأوليات من أجل انجاح هذه الخطوة ، فتُصب الجهود وتبذل الموارد على بناء وتأسيس ما هو متطلب رئيسي لدولة مستقرة لا يتهددها الأعداء ، من مؤسسات وإدارات تبتلع في غرفها وخلف مكاتبها أفضل الطاقات وأحسن العقول ، ويصبح المحافظة على الوضع الراهن هو الهدف الرئيس الذي يتقدم على ما سواه من أهداف ، فَتُنسى المقاومة ، ويصبح ينظر لها على أنها معيق رئيسي في تقدم وازدهار هذه الرقعة من الوطن ، فيضيّق على أهل الاختصاص فيها ويقدم غيرهم عليهم .

4. ( خلق ) ظروف عمل صعبة : كما يمكن أن يجبر العاملون في مختلف اختصاصات المقاومة وأعمالها على طلب إعادة هيكلتهم ووضعهم في أعمال أخرى ؛ من خلال إيجاد ظروف عمل غير مناسبة وصعبه لا تؤمن فيها متطلبات عملهم وما أسند لهم فيها من تكاليف ، فيرى الكادر أو العامل أنه لا ينجز ما طلب منه وأنه يصطدم بعقبات ومعوقات تنظيمية تحول دونه والإنجاز ، فيعزف عن عمله ويطلب الانتساب إلى أعمال أخرى ، فتخف حماسته وتثقل حركته ويخبو توهج روحه .

3. اعادة الدمج : بعد أن يسحب سلاح المقاومين ويعاد استيعابهم في مختلف الهياكل التنظيمية والمدنية التي هيئ لهم على أنها تخدم في أصل هدف حركة المقاومة ومشروع التحرير تبدأ ( ماكنة ) الحياة بطحنهم ــ المقاومين ــ وإشغالهم فيما يقيم أودهم ويسد حاجتهم ، وهنا يسير قطار الدمج على السكة التالية :

1. عودة القادة إلى الحياة المدنية : إن أول ما يبدأ من أعمال إعادة الدمج ؛ عودة قادة المقاومة إلى حياتهم المدنية ، فهم من تجمع الناس حولهم ، وهم قدوات لغيرهم ، وهم قطب الرحى الذي يدور الآخرون حوله ، فإن هم ــ القادة ــ انفرط عقدهم ومالوا إلى الدنيا ؛ مال معهم محبوهم وأتباعهم وانفضوا ، ولو بعد حين ، فالأفكار إنما تتجسد في قدوات بشرية يراها السائرون أمامهم فإن فُقدت هذه القدوات ؛ انفض ( السامر ) .

2. تقديم التسهيلات المالية مع الأمن على الحياة : كما تتم في هذه المرحلة تقديم كافة التسهيلات المالية والأمنية من أجل دمج المقاومين في العمل المدني وادخالهم في الدورة الحياتية ؛ فتُسهل لهم القروض البنكية والهبات المالية لبناء أعمالهم التي سيقتاتون منها ويعيلون من يعيلون من خراجها ، وعندها ستطحنهم الدنيا بمشاغلها وأولوياتها ولن يبقى لهم وقت يفكرون فيه لا في أرض ولا في فرض ( المقاومة ) .

3. التدريب والتعليم التخصصي لعناصر وكوادر المقاومة : وكيف يتم دمجهم وهم لا يحترفون حرفاً ولا يحملون شهادات علمية ، فتفتح في وجوههم قاعات التدريس وأبواب المشاغل الحرفية ، تحت ذريعة أنهم طبقة قد ضحت ولم يكن لديها وقت لتبني نفسها ؛ لذلك فهم مقدمون على غيرهم ، مُتساهلٌ معهم في شروط القبول والدخول ، وما أن ينتهوا من دراساتهم أو دوراتهم ؛ إلا وقد أعيد ترتيب الأوليات ، وبدأ البحث عن المتطلب الشغلي لتلك الشهادات .

4. عودة المتزوجين والمطاردين إلى أحضان عوائلهم : وتنشط في هذه المرحلة حركة المصالحات والطلب من المطاردين والمتزوجين البعيدين عن كنف أسرهم أن يعودوا إلى حياتهم الطبيعية ، فصفحة المقاومة قد طويت وما حملته من مسؤوليات عن أفعال قد تم التجاوز عنه ، فليعد كل إلى حياته وكنف أسرته ومحبيه ، فقد طال الغياب وآن وقت الإياب ، أما أولئك العزاب ؛ فتنشأ جمعيات تسهيل الزواج وتأمين متطلباته والعون على أكلافه ، وتكثر الحفلات والمناسبات ، وما فات فات والخير في كل ما هو آت .

5. العمل في مؤسسات الدولة المختلفة : ثم أليس من تعلم ولم يملك رأس المال ليفتتح عملاً خاصاً به يريد أن يعمل ، أوليس من تزوج يريد أن يعيل أسرته وأهله ، أوليسوا ـــ كوادر المقاومة ــ أصحاب قدرات وخبرات ؛ فلماذا لا يستوعبون في مؤسسات الدولة ، حيث اللوئح والأنظمة والأعراف التي تعيد سبك شخصياتهم وترتيب أولوياتهم !!

6. إبقاء العين على كوادر المقاومة خوفاً من التجمع مجددا ً: ولكن المشوار لن ينتهي عند هذا الحد ، بل تبقي أجهزة الدولة أعينها ــ وما أكثرهم ــ على هذه الفئة من الناس ، تحصي عليهم أنفاسهم وتتعقب حركاتهم ، وتشهد عن قرب أو عن بعد نشاطاتهم ، فالهدف بقاؤهم مشغولين مطحونين في عجلة الحياة ، والخطر كل الخطر في عودتهم للتجمع من جديد ، وفي حال حصول مثل هذه التجمعات ، أو التفكير في عمل اتحادات على غرار اتحادات أو جمعيات المحاربيين القدامى ، فالويل والثبور وعظائم الأمور لمن فكر أو يفكر في العودة إلى الثغور .

كان هذا ما اتسع له المقال في هذا المجال ، فبناء حركات المقاومة ونجاحها في تحقيق أهدافها أو فشلها ، تحكمه سنن وأصول العمل المقاوم التي لا تحابي ولا تجامل أحد ، فمن سار بناءً على هذه السنن وبما تقتضيه ؛ سار من نجاح إلى نجاح ومن انجاز إلى آخر ، ومن تخلف عنها ــ السنن والأصول ــ خاب وخسر وانتقل من فشل إلى آخر ، ولا يعفيه أنه يمثل قضية مقدسة أو ينشد أهدافاً ربانية ، والله خير ٌحافظاً وهو أرحم الراحمين .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق