أخبارتقارير و دراسات

المُقاومة…متطلبات البناء ومسارات التفكيك “الجُزء الثاني”

✍️ الخبير العسكري والأمني أ . عبد الله أمين

تحدثنا في الجزء الأول من هذه السلسلة حول المقاومة ومتطلبات قيامها ، حيث فرقنا في بين المقاومة والثورة على اعتبار أن الأولى فعل دائم لا ينتهي ، والثانية فعل ظرفي يزول بزوال سببه . وقلنا أن هذه المقاومة حتى تقوم ويشتد عودها لا بد لها من مقومات حياة وأسباب بقاء ، حيث تحدثنا في الجزء الأول عن مكونين رئيسيين لقيام المقاومة واشتداد عودها وبلوغها اهدافها ، فقلنا في ذاك المقام أن وجود قضية عادلة وقيادة رشيدة هو من أهم أسباب تكّون المقاومة ومنحها الشرعية ودفع المناصرين للالتحاق بها والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل بلوغها أهدافها . ونتحدث في هذا الجزء الثاني عن المكونين الرئيسيين الآخرين لقيام المقاومة وظهورها كفعل يشكل تهديداً ذا مصداقية على العدو ، ألا وهما : وجود شعب واع وحليف صادق . على أن نفصل في هذا الأمر بما لا يخل بأصل المطلوب ولا يُملُ نَفسَ الطالب .

1. شعب واعٍ :
وحيث أن المقاومة لا بد لها من بيئة تحتضنها ، وتشكل لها الرافد الرئيسي للإمكانات والقدرات ، وهي ــ المقاومة ـ أصلا ما قامت إلا تلبية لحاجات يبحث عنها عموم أهلها ؛ لذلك كان لا بد من توفر شعب واع ؛ عنه تنبثق المقاومة ، ولاجل تحقيق أهداف ــ الشعب ــ تقاتل ، وحتى لا يكون هذا الشعب عبئاً على المقاومة ونقطة ضعف لها ، وإنما حاضنة ونقطة قوة تستعين به ، كان لا بد لهذا الشعب من أن يتحلى بمجموعة من الصفات والميزات ، نعتقد أن أهمها :

1. معرفة حقوقه :
فكيف يقاتل شعب ويتقبل سفك دمه وحجز حريته إن لم يكن يعرف حقوقه ، وما له وما عليه ، وما هي الخطوط الحمر التي لا يقبل أن يتجاوزها أحد كائن من كان . شعب يستطيع أن ينتزع حقه من الصديق قبل العدو ، شعبٌ يرى سفك دمه دفاعاً عن حقوقه غاية المنى والمبتغى ، شعبٌ لا يقبل التنازل عن حقوقه ولا يعطي جزءاً منها إلا عن طيب خاطر ورضى نفس .

2. معرفة عدوه :
إن أكبر ثغرة ينفذ منها العدو إلى بنية المجتمع إنما هي ثغرة التدليس والتلبيس وإظهار نفسه بمظهر الصديق ، والتلبس بلبوس الصداقة والمودة . وهنا تبدو مؤشرات وعي الشعب وتظهر قدرته على تمييز العدو ومعرفته وتحديد مخاطره ؛ بأي ثوب تدثر و بأي زي تزيّا ، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن خطر العدو الداخلي أكبر بمرات من مخاطر وتهديدات العدو الخارجي ، فالأول خطره لصيق وضرره محقق ، ويصعب الحشد في وجهه إن لم يُعرف للجميع عداؤه ، والثاني سافر العداء بيّن الخصومة سهل الحشد في وجهه وكبح خطره .

3. الشجاعة والروح الثورية والرسالية :
كما أن قيادة المقاومة لا بد من أن تتحلى بالشجاعة والروح الثورية والرسالية ؛ فإن شعبها ــ المقاومة ــ وبيئتها الداخلية إن لم تكن بمثل ما عليه قيادتها من روح ثورية وشجاعة ورسالية ، فإن المقاومة ستواجه صعاب كثيرة ؛ فالبيئة الحاضنة هي المكان الذي سيختفي فيه المقاومون بعد كل عمل وعقب كل إجراء ، وستتوجه لها سهام انتقام العدو وآلة بطشه ، فإن لم تكن ـ الحاضنة ــ على قدر المسؤولية والروح الثورية ، فستفشي سر المقاومين وتتحول من نقطة قوة لهم إلى نقطة ضعف وثغرة يؤتو من خلالها . وهنا يترتب على عاتق قيادة المقاومة مسؤوليية كبيرة في صون هذه الشجاعة والروح الثورية وتطويرها لاستثمارها عند الحاجة ووقت الطلب .

4. الحساسية على المخاطر الداخلية والخارجية :
ولا بد لشعب المقاومة من أن يترجم وعيه وفهمه إلى مستوى عال من الحساسية على المخاطر الخارجية ؛ فيعرفها قبل وقوعها ويمنع استفحالها إن وقعت ، وبنفس درجة الحساسية تلك ؛ لا بد أن يكون أيضاً حساساً على المخاطر الداخلية ؛ فيشخص الانحرافات والميول عن أصل هدفه من المقاومة ، فيمنع وقوع الانحرافات ويكشف اصحابها قبل أن يستفحل خطرهم وتقوى شوكتهم ، وإن لحنوا في القول أو موهوا في الفعل ، فالتهديد الداخلي أشد خطراً على المقاومة وأهلها من أي تهديد خارجي ، فالثاني خشن يسهل سماع صوته ودبيب أقدامه والتنبه له ، والأول ناعم تصعب رؤيته ولا يسمع صوت زحفه ، فيضرب من حيث لا يُحتسب ويهاجم على حين غرة .

2. حليف صادق :
إن عدو المقاومة يجهد أن يعزلها عن محيطها الداخلي ويمنع تواصلها الخارجي ، وبقاء المقاومة فقط في الداخل فعلاً وقيادة وتوجيهاً ؛ يعرضها إلى خطر الاستئصال والتدمير ، لذلك لابد لأي مقاومة من جهد يبذل من أجل يكون لها تواصل مع الخارج ، ومن أن تبنى تحالفات وصداقات تكون لها ظهيراً عند الحاجة ، ومقراً ومستقراً لبعض الأعمال والفعاليات التي تتطلب جهداً استثنائياً لا يمكن القيام به بين ظهراني المحتل أو الغاصب في الأرض المحتلة ، وحتى لا يكون هذا الحليف عبئاً على المقاومة ، أو أن تتحول المقاومة إلى عبء عليه ؛ نعتقد أنه من المهم أن يتصف هذا الحليف بمجموعة من الصفات ، منها على سبيل المثال لا الحصر :

1. تفهم وتقبل الخلاف :
فكلا الطرفين لديه اهتمامات خاصة ومصالح قد لا تتماثل مع مصالح الآخر ، وما لم يتقبل كل منهما الآخر ؛ فقد تتحول العلاقة من عنصر قوة إلى عنصر ضعف ، وهنا لا بد من تحديد الأمور الاستراتيجية التي تجمع الأطراف ولا تستقيم العلاقة إن اختُلف عليها ، وتلك التكتيكية التي يمكن الخلاف حولها دون أن يفسد الخلاف للود قضية .

2. تعظيم القواسم المشتركة :
فبقاء العلاقة على ما هي عليه دون تطوير يعرضها للاضمحلال والضمور ، لذلك على طرفي الحلف أن يبحث كل منها عما يزيد ويعاظم من القواسم المشتركة بينهما ، والتي تعتبر اكسجين العلاقة التي يمدها بأسباب الحياة ومقومات البقاء .

3. تأمين الظهير المادي والمعنوي :
إن مجرد العلاقة ليس مطلوباً لذاته فقط ، وإنما يجب أن يكون هذا الحليف أحد أسباب تأمين المتطلبات المادية والمعنوية للمقاومين ، فليس لدى المقاومة ترف الوقت ولا الإمكانيات من أجل فتح صداقات وبناء علاقات فقط لمجرد العلاقات ، فتستنزف وقتها وجهدها ومواردها فيما لا طائل منه ، وفي هذا السياق يجب أن تحدد المقاومة وبشكل دقيق الأمور المادية والمعنوية التي يمكن أن يؤمنها الحليف أو الصديق ، حتى لا تكلفه فوق طاقته أو خارج ما هو ضمن إمكانياته وقدراته .

4. الذهاب في الشوط إلى آخره :
وحيث أن الصديق أو الحليف لديه مصالحه الخاصة واهتماماته التي قد لا تتطابق مع اهتماماتنا أو مصالحنا ، وحيث أن الأولويات قد تختلف ؛ كان لا بد من الاطمئنان إلى أن هذا الصديق أو ذاك الحليف سوف يذهب معنا في الشوط إلى آخره ، فلا يخلي مكانه في منتصف الطريق ، ولا يترك صداقتنا عند أول منعطف . وأفضل طريق لبقائه إلى جانبنا هو تعظيم القواسم المشتركة فيما بيننا وبينه ، والبحث عن المشتركات الكبرى وغض الطرف عن الاختلافات الآنية والظرفية ، ومحاولة جعل أولوياته قريبة من أولوياتنا وحاجاته واهتماته قريبة من حاجاتنا وهتماماتنا .
كان هذا ما اتسع له المقال في هذا المقام ، على أن نختم هذه السلسلة وبشكل سريع في مسارات تفكيك المقاومة ، وآليات العمل المتبعة سيراً للخلف للعودة بالمقاومة والمقاومين إلى سابق عهدهم وسيرهم عندما كانوا مواطنين مدنيين .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق