أخبارأخبار رئيسية

السيسي وأردوغان تعلما منذ الآن بأن الحركات لا تفنى أما نتنياهو فلم يتعلم

شبكة الهدهد

تسفي برئيل

“في فترة ولايتي لن يكون شيء اسمه الاخوان المسلمين”، هذا ما اعلنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أيار 2014. وبعد مرور عشر سنوات على حكمه ما زال يخوض حرب ضروس ضد هذه الحركة. المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي، دانييل هجاري، اثار عاصفة في هذا الاسبوع عندما قال إن “موضوع تدمير حماس والقضاء عليها، هو ببساطة ذر للرماد في العيون”. يمكن تخيل لو أن السيسي استمع اليه لكان سيتمتم لنفسه ويقول “لقد قلت لكم”. هجاري اراد الشرح بأن “حماس هي فكرة وحزب، وهي مغروسة في قلوب الناس – من يعتقد أنه يمكننا القضاء على حماس، مخطيء. حركة الاخوان المسلمين توجد في المنطقة منذ سنين كثيرة”.

لكن حماس، مثل الاخوان المسلمين، ليست فقط فكرة أو حركة فكرية، التي لا يمكن اقتلاعها من القلوب، بل هي منظمات قامت ببناء اجهزة واعداد قوة بشرية وبنى تحتية مدنية في المكان الذي لم تكن فيه دولة، أو أنها اهملته بشكل متعمد. بالنسبة لملايين السكان في مصر وفي قطاع غزة فان الاخوان المسلمين وحماس هي البديل الوحيد لتقديم الخدمات التي لم تقدمها دولة مصر أو السلطة الفلسطينية أو اسرائيل. جهاز التعليم للاخوان المسلمين، بدءا برياض الاطفال والمدارس ومعاهد التأهيل المهني والعيادات وآلية المساعدات للعائلات ومنح الرفاه للمحتاجين، كانت الترجمة الفعلية للفكرة التي تمت الدعوة اليها، الموجهة “لاحتلال القلوب” من اجل استخدامها في المستقبل كأداة لاحتلال السلطة.
حركة الاخوان المسلمين التي تأسست في 1928 على يد الواعظ الشاب (24 سنة) حسن البنا، لم تقتصر على التعليم والدعوة للاسلام “الصحيح”، وتفسير أقوال النبي، وصياغة قواعد السلوك المطلوبة من “المسلم الجيد”. هذه كانت وما تزال حركة سياسية وطنية، جسدت رؤيا حددت ماهية الدولة والنظام المناسبين للمسلمين. ولا يقل عن ذلك كيف يجب تحقيق هذا الهدف. هي تعلمت من خلال العمل ماذا يجب عليها أن تفعل كي تبقى على قيد الحياة، وبعد ذلك الانتصار سياسيا. هذا الانتصار وصل الى الذروة التاريخية بعد “الربيع العربي” عندما فاز في الانتخابات للبرلمان في كانون الاول 2011 “التحالف الديمقراطي” الذي شكلته حركة الاخوان المسلمين وحركات علمانية ومجموعات الشباب التي شاركت في ثورة “الربيع العربي” بـ 75 في المئة من المقاعد في البرلمان، النسبة التي تشبه نسبة فوز حماس في انتخابات 2006 في المناطق.

بعد نصف سنة، في الانتخابات للرئاسة في أيار – حزيران 2012 فاز ممثل الحركة محمد مرسي باغلبية 52 في المئة، التي منحته الرئاسة. ولكن النصر الاكبر الذي ساهم فيه الكثير من العلمانيين الذين أيدوه تعبيرا عن الاحتجاج ضد الحكم السابق الذي حظر نشاطات حركة الاخوان منذ العام 1954، وكتحرر من النظام القديم – أحدث ثمل قوة ادى في النهاية الى فقدان السيطرة وعزل محمد مرسي على يد السيسي، والحرب التي لا تنتهي ضد الحركة.
السيسي لم يكن الرئيس الاول الذي طمح الى القضاء على الاخوان المسلمين. فقد سبقه جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك. جميعهم حاولوا في البداية التوصل الى تفاهمات مع الحركة كي يفهموا فقط أن الامر يتعلق بخصوم اقوياء، مصممين وغير مستعدين لقبول الاملاءات السياسية من نظام ديكتاتوري والتنازل عن طموحهم في أن يكون شركاء في الحكم، اذا لم يكن سادته. الاستراتيجية التي وجهت السيسي وجهت جهوده الى بنية الحركة الهرمية واعتقال رؤسائها وقطع شرايين تمويلها. وحسب تقديرات لمنظمات حقوق انسان فان اكثر من 60 ألف شخص اتهموا بالعضوية في الحركة أو بدعمها، ماليا أو فكريا، تم اعتقالهم، وكثيرون منهم تمت محاكمتهم وسجنهم لفترة طويلة.

لقد تم الحكم على موجه الحركة الرئيسي، محمد بديع، في شهر آذار بالاعدام، الذي لم ينفذ بعد.

مؤسسات الحركة المدنية، مثل مؤسسات التعليم والجمعيات الخيرية، واعمال قادتها الخاصة ايضا تم اغلاقها ومصادرة بعض ممتلكاتهم. اعتبارها منظمة ارهابية مكن السيسي من حرية العمل تقريبا بدون قيود ضد نشطائها، وعلى الطريق ايضا ضد خصومه ومنتقديه السياسيين. بعض رؤساء الحركة هربوا الى دول اخرى مثل تركيا وقطر، واقاموا هناك قواعد نشاطات وقنوات تلفزيونية وصحف وشغلوا شبكات اجتماعية متشعبة. ولكن قص اجنحة ورؤوس قادة الحركة، لم يدمرها، وبالتأكيد لم يقض على ملايين المصريين الذين ما زالوا يعتبرونها البديل المناسب لنظام السيسي المستبد.

اضافة الى ذلك المس المباشر برؤساء الحركة احدث تغيير هيكلي، فيه البنية الرسمية في الحقيقة تم الحفاظ عليها، لكن النشطاء، بالاساس الجيل الشاب، بدأوا يعملون بشكل مستقل واقامة علاقات جديدة من خلال الشبكات الاجتماعية وتجنيد النشطاء. هؤلاء الشباب يؤمنون بأنه يمكنهم تصحيح الاخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها الجيل
السابق من اجل الاستعداد للنضال المدني القادم في مصر. وهم يقدرون أنه لن يكون مناص من هذا النضال، بالاساس بسبب الازمة الاقتصادية في الدولة والاضرار الكبير بحقوق الانسان وغياب استراتيجية منظمة للحكومة، موجهة لحل المشكلات الاساسية.

هؤلاء النشطاء يمكنهم الاستناد الى اقوال المؤسس حسن البنا في احدى رسائله بعنوان “بين الامس واليوم”، التي نشرها في الثلاثينيات وكتب فيها: “تذكروا، أيها الاخوة، بأن اكثر من 60 في المئة من المصريين يعيشون على أقل مما تعيش عليه الحيوانات. وهم لا يحصلون على الغذاء إلا بجهود جبارة. ومصر مهددة بالمجاعة وتتعرض لمشكلات اقتصادية لا يعرف نهايتها إلا الله. في مصر توجد الآن اكثر من 230 شركة اجنبية تحتكر الخدمات العامة والمصادر المهمة في ارجاء الدولة. وكل فروع التجارة والصناعة والمشاريع الاقتصادية توجد في يد الاجانب. موارد الدولة تنتقل بسرعة كبيرة من يد الوطنيين الى هؤلاء الاجانب… مصر ما زالت دولة فيها نسبة الأمية كبيرة، ونسبة المثقفين فيها لا تصل الى خُمس عدد السكان، بينهم اكثر من 100 ألف شخص مستوى الثقافة لديهم لا تزيد عن المرحلة الابتدائية. السجون تقوم بتخريج عدد أكبر من خريجي المدارس. مصر غير قادرة على تسليح حتى فصيل عسكري واحد”.

ايضا الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، يدير منذ العام 2013 حرب بقوة كبيرة ضد حركة الواعظ فتح الله غولن، الموجود في المنفى في الولايات المتحدة. اردوغان مثل السيسي ايضا، اعتبر الحركة التي كانت ذات يوم الحليف المهم له، منظمة ارهابية، واتخذ ضد قادتها واعضائها ومؤيديها ومموليها نفس الاساليب. حركة غولن قوت نفسها من خلال البنى التحتية الواسعة للتعليم والاتصالات والمشاريع التجارية الناجحة وصناديق مساعدة المحتاجين والتغلغل عميقا في اجهزة النظام. الملايين من الاتراك استفادوا من خدمات الحركة، واولادهم تعلموا في مؤسساتها الى أن تم اغلاقها، وكثيرون يعتبرون هذه الحركة المسار المناسب لتركيا – الدمج بين الاسلام الاجتماعي والثقافة التركية والقومية المعتدلة. هذا مقابل حزب العدالة والتنمية الذي اصبح على يد اردوغان جسم قومي متطرف، يفرغ حقوق الانسان من المضمون ويدفع قدما بالاجندة الدينية. نضال اردوغان وصل الى الذروة بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 2016، الذي اتهم غولن بالتخطيط له. منذ ذلك الحين تم اعتقال في تركيا آلاف الاشخاص الذين تم اتهامهم بالانتماء لغولن ومساعدته.

مشكلة اسرائيل في قطاع غزة هي مشكلة معقدة، واكثر صعوبة من ذلك بكثير. ففي حين أن السيسي واردوغان يعرضان على شعبيهما حلول سياسية كتعويض ومقابل لاقصاء الحركات التي قامت بخدمتهم، فان اسرائيل ليس فقط أنها لا تعرض أي شيء، بل ايضا هي تقطع الطريق أمام أي بديل سيقوم بالمهمات المدنية التي تولتها حماس. المعنى هو أنه بدون بديل فان اسرائيل هي التي ستلعب دور حماس في كل مجالات الحياة، المدراس والمستشفيات والخدمات الاجتماعية والنظافة والطاقة والبنى التحتية الاخرى. ولكن حتى لو قررت بأن هذا الحل الخطير هو الحل الوحيد الذي هي مستعدة له فانها حتى الآن لا يمكنها منع تطور الحركات والمنظمات في القطاع، التي ستعرض خدمات مدنية في المكان الذي لا يوجد فيه الحكم الاسرائيلي أو غيره.

هذه الحركات لا يجب أن تحمل الاسم الصريح حماس. ولكن سيكون من الواضح للسكان من الذين يقف الى جانبها. في هذا السياق ليس من نافل القول أن فوز حماس في انتخابات العام 2006 لم يستند الى دعم الجمهور للايديولوجيا الدينية، بل الى الاحباط من السلطة الفلسطينية الفاسدة. حماس، رغم الدمار الكبير الذي تسببت له لسكان قطاع غزة ما زالت تحصل على الدعم الكبير. وحسب الاستطلاع الاخير الذي اجراه المركز الفلسطيني للسياسات وابحاث الاستطلاعات فان 46 في المئة من المستطلعين في غزة قدروا أن حماس ستعود الى الحكم. هذه النسبة ليست بالضرورة التعبير عن أمنية أو خوف من عودة حماس. بل هي تعبير عن تقدير حقيقي للقوة الجماهيرية لهذه المنظمة حتى بعد ثمانية اشهر من الحرب.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي