أخبارأخبار رئيسية

الحرب في البحر الأحمر بدأت بسبب غزة لكن يمكنها أن تستمر بدونها

شبكة الهدهد 


تسفي برئيل

سفينة النقل اليونانية توتور غرقت أمس في اعماق البحر الاحمر، بالضبط بعد اسبوع من اصابتها بقارب متفجر بدون ركاب ارسله الحوثيون من اليمن. هذه هي السفينة الثانية التي يغرقها المتمردون المدعومون من ايران، ويبدو أنهم لا ينوون التوقف. في شهر أيار، بعد سيطرة الجيش الاسرائيلي على معبر رفح في قطاع غزة اعلن زعيمهم عبد المالك الحوثي بأن رجاله “يستعدون الآن للمرحلة الخامسة والسادسة من الحرب. توجد لدينا خيارات استراتيجية كثيرة ومهمة ستؤثر على العدو. لا توجد لدينا خطوط حمراء لوقفنا، ولا توجد أي اعتبارات سياسية تجعلنا نغير موقفنا”. حتى أن الحوثي دعا زعماء دول عربية كي يرسلوا اليه سلاحهم “الذي صديء في المخازن”، حسب تعبيره، كي يستخدمه لصالح المعركة في غزة.

من غير الواضح ما الذي يخطط له الحوثيون للايام القادمة، أو كيف يقسمون مراحل الحرب، التي الحقت حتى الآن خسائر اقتصادية باهظة حول العالم بسبب تحويل مسار النقل من البحر الاحمر وقناة السويس، الامر الذي أدى الى ارتفاع حاد في اسعار التأمين في فرع الملاحة البحرية. ولكن خلافا للتقديرات التي اصبحت افتراضات اساسية التي تقول بأن حزب الله سيلقي سلاحه عندما سيتم التوصل الى وقف لاطلاق النار في غزة فانه يوجد للحوثيين اعتبارات خاصة بهم. فهم بدأوا الهجمات في البحر الاحمر في 19 تشرين الاول وبكونهم جزء من نسيج “وحدة الساحات”، فانهم القوة الوحيدة التي تمثل دولة والتي تعمل ضد الاهداف الاسرائيلية والغربية. جهات استخبارية امريكية تقدر أنه لا يوجد أي تأكيد بأنهم سيتوقفون عن نشاطاتهم في حالة التوصل الى وقف لاطلاق النار في قطاع غزة.
رئيسة المخابرات الوطنية في الولايات المتحدة افريل هاينس سئلت عن رأيها في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ في الشهر الماضي حول تقديرها بشأن الى متى سيستمر تهديد الحوثيين. هاينس التي شغلت في السابق منصب رئيسة الـ سي.آي.ايه قدمت اجابة غامضة وامتنعت عن الربط بين نشاطات الحوثيين والحرب في غزة. وحسب رأيها فان ساحة البحر الاحمر تخدم مصالح سياسية لزعيم الحوثيين الذين يطمح الى تعزيز مكانته في المنطقة وفي العالم، من خلال الاستناد الى قدرة الانتاج المحلية للصواريخ والمسيرات وانواع سلاح اخرى. “نحن لا نعتقد أن الامر سيتغير في الفترة القريبة”، قالت هاينس. “هذا لا يعني أن الهجمات الامريكية وهجمات التحالف الذي يعمل في البحر الاحمر لا تؤثر. ولكنها حتى الآن لم تكن كافية لوقف الحوثيين”.
هذه حرب استنزاف تستند حتى الآن الى استراتيجية وضعتها الولايات المتحدة في بداية الحرب بهدف منع الهجمات والمس بقدرات الحوثيين، لكن تجنب شن حرب شاملة ضدهم. هذا التنظيم سيطر على عاصمة اليمن صنعاء في 2014، والآن يسيطر بالفعل على حوالي نصف اراضي الدولة. هذه الاستراتيجية تستند، ضمن امور اخرى، الى الخوف من اشعال ساحات اخرى، بالاساس استئناف اطلاق الصواريخ على السعودية. منذ نيسان 2022 يتم تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار بين السعودية والحوثيين. ومثلما في لبنان فان الولايات المتحدة تخشى من تطورات ستجرها الى تورط عميق اكثر في الشرق الاوسط، حتى مواجهة مباشرة مع ايران.

في حين أن حزب الله ينسق بشكل وثيق مع طهران، والمليشيات الشيعية في العراق تخضع بشكل كبير لتوجيهاتها، فانه يصعب التقدير الى أي درجة ستتأثر نشاطات الحوثيين اذا أمرتهم ايران بوقف اطلاق النار. شبيها بالتنظيم الشيعي في لبنان، ايضا الحوثيون يستخدمون الحرب لتعزيز مكانتهم الداخلية في اليمن. فهم يفرضون بواسطتها التجنيد على ابناء القبائل “من أجل الوطن”، ويفرضون الضرائب والرسوم لتمويل “الحرب الوطنية”، وبالاساس حكمهم، حتى أنهم يستغلون حالة الطواريء التي اعلنوا عنها من اجل تحييد الخصوم السياسيين. معارضوهم يتم ارسالهم الى السجن والمكانة السياسية لرؤساء القبائل الخصمة يتم تحطيمها بواسطة اعادة توزيع مناطق السيطرة التقليدية التي تخلق تجمعات سكانية جديدة توجد فيها اغلبية لمؤيدي الحوثيين.

اعداد خارطة طريق

الى جانب تعزيز السيطرة في المحافظات التي توجد تحت سيطرة الحوثيين فانهم يستعدون لاجراء مفاوضات مع حكومة اليمن الرسمية. موعد بداية المحادثات لم يتم تحديده بعد، ولكن في كانون الاول تم الاتفاق على خارطة الطريق في اطار الاتصالات برعاية الامم المتحدة والولايات المتحدة والسعودية. حسب هذه الوثيقة فان الرياض ستمول دفع رواتب الموظفين الذين يعملون في المحافظات التي توجد تحت سيطرة الحوثيين، الذين لم يتسلموا الرواتب منذ 2016.

وتم الاتفاق ايضا على أن الحوثيين سيتمكنون من تصدر النفط وسيتم رفع بعض قيود الحصار على الميناء في مدينة الحديدة التي يسيطرون عليها. واستمرارا لهذه البنود فان الحوثيين والحكومة في اليمن يمكن أن يجلسوا لاجراء مفاوضات حول تشكيل حكومة مشتركة، وبعد ذلك سيتم اجراء الانتخابات من اجل تشكيل حكومة دائمة.

لكن تطبيق خارطة الطريق تم تجميده عند انضمام الحوثيين للحرب متعددة الساحات في غزة. وهي الخطوة التي اضرت بتصدير النفط من الاماكن التي توجد تحت سيطرة الحكومة الرسمية في اليمن. في نفس الوقت الولايات المتحدة وجدت نفسها في معضلة امام الحوثيين مع قرار الرئيس الامريكي في كانون الثاني اعتبارهم “كيان ارهاب عالمي له تصنيف خاص”. وهو تعريف لا يعيدهم الى قائمة منظمات الارهاب العالمية في واشنطن، التي كانوا يوجدون فيها حتى شباط 2021. في نفس السنة قرر الرئيس الامريكي رفعهم من القائمة للدفع قدما بعملية السلام في اليمن. التعريف الحالي يمنح ادارته مرونة اكبر في فرض العقوبات على الحوثيين ويوفر هامش اوسع للتفاوض معهم.

في الشهر الماضي نشر أن الولايات المتحدة شجعت السعودية على “اخراج من التجميد” خارطة الطريق، رغم استمرار هجمات الحوثيين. وهي خطوة يمكن أن تمكن واشنطن من انهاء تورط الحوثيين في الحرب، والتركيز على اقامة تحالف دفاع اقليمي مع السعودية، وحتى تشكل تحالف اقليمي ضد ايران. ولكن هذه العملية اصطدمت الان ليس فقط بمقاومة حكومة اليمين التي تخشى من أن أي مصالحة مع الحوثيين ستؤدي الى تآكل عميق في مكانتها، بل ايضا من جانب “المجلس الانتقالي الجنوبي الذي هو جسم سياسي تم تشكيله في 2017 برئاسة عيدروس الزبيدي الذي يسعى الى اعادة تأسيس دولة جنوب اليمن.
منظومة الضغوط والمصالح هذه يتم استغلالها جيدا من قبل زعيم الحوثيين الذي يعتبر استمرار الحرب في البحر الاحمر وفي زيادة حدتها رافعة استراتيجية حيوية، يمكن أن تجلب له تنازلات سياسية من حكومة اليمن والولايات المتحدة والسعودية. وفي نفس الوقت حمايته من هجوم شامل على المناطق التي توجد تحت سيطرته من قبل قوات التحالف برئاسة واشنطن. بناء على ذلك، حتى لو تم التوصل الى وقف لاطلاق النار في غزة فان البحر الاحمر يتوقع أن يستمر في أن يكون ساحة حرب مشتعلة. وبقي أن نرى هل ومتى ستقرر الولايات المتحدة تنفيذ “اعادة نظر” في سياستها تجاه الحوثيين. هذا في الوقت الذي ما زالت تلتزم فيه بالاخذ في الحسبان سيناريو فيه ستضطر الى التدخل في الحرب لبنان، وربما حتى ابعد منه.
*

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي