أخبارأخبار رئيسية

نـتـنـيـاهـو كـبـائـع نـاجـح لـلـوهـم

شبكة الهدهد

حجاي إلعاد

“أنا كنت أريد تذكري كحامي إسرائيل. هذا يكفيني. درع إسرائيل”، هذا ما قاله رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في أحد أقواله التي أصبحت أيقونة أو أقوالاً مضحكة (أو الاثنين معاً).

هذا قيل بلغة نتنياهو، أي اللغة الانجليزية، في الخارج، في المنتدى الاقتصادي في دافوس، كنوع من الدمج بين الوقاحة والتواضع المصطنع.

منذ قول هذه الأقوال في كانون الثاني 2016 مرت ثماني سنوات. ومنذ المذبحة في 7 تشرين الأول برز جنون العظمة المدحوض لهذه الأقوال.

من بين كل تصريحات نتنياهو لماذا نقشت في الوعي بالذات هذه الأقوال، حتى قبل الحرب الحالية في غزة؟.

صحيح أنه من المبرر الاستخفاف بنتنياهو الذي فشل خلال سنوات في بناء الحماية لإسرائيل أمام الأعداء. لكنه في مجال حاسم واحد هو لم يفشل. فنتنياهو، الذي يقوم بحمايتنا، قام بحماية الإسرائيليين، بمهارة كبيرة، من الواقع.

الوهم الذي نجح في بيعه لمعظم اليهود الذين يعيشون هنا كان سحر تهدئة كاذباً، لكن يجب الاعتراف بأن الطلب الكبير على هذه البضاعة لم يكن نتيجة مهارة تسويق البائع، حيث إنه بالنسبة للمشتري كان وما زال يوجد اهتمام كبير.

“البضاعة” هي مجموعة من الأكاذيب السهلة التي مكنتنا من عدم النظر مباشرة إلى واقع غير مريح.

هذا الواقع، الذي حتى بعد 100 سنة على الصهيونية و”نكبة1″ واحتلال والآن “نكبة 2” في غزة، فإنه ما زال نصف الأشخاص الذين يعيشون بين البحر والنهر هم من الفلسطينيين. الواقع هو أن أسلوب الأبرتهايد الذي قامت إسرائيل بتطويره للحفاظ على فجوة كبيرة وثابتة بين المساواة الديمغرافية وبين عدم المساواة السياسية والاقتصادية الذي ينظم كل مجالات الحياة هنا، هو في أساسه طريقة عنيفة، غير ثابتة وخطيرة.

الأقوال أعلاه ليست مجرد رأي، بل هذا هو الواقع وهذه هي الحقائق.

خلافاً لذلك في عالم الأوهام، التي قمنا بشرائها بلهفة من حامينا، فإن الفلسطينيين هم ورقة في الهواء، مجموعة من الناس المهزومين الذين لا يوجد لهم ماضٍ وهم غير مهمين، سواء في الحاضر أو في المستقبل، ليسوا أكثر من شيء “تافه” يجب إدارته أو سحقه أو رميه. في عالم الأوهام هذا فإن نظام تفوق اليهود ليس فقط مشروع وأخلاقي، بل هو حتى قوي وثابت.

الفلسطينيون الذين لم يستوعبوا الهزيمة ستتم معالجتهم بالقوة، والعالم لن يهتم بذلك.

والفجوة الكبيرة بين المساواة الديمغرافية وبين عدم المساواة في أي مجال آخر فإن الضمير الوجودي الذي يحدد من الولادة (أو الهجرة إلى البلاد) إذا كان الشخص سيكون من المتفوقين أو من الرعايا، فقط على أساس الهوية والعرق والقومية، كل ذلك سيستمر ويزدهر وكأنه أمر طبيعي، وبشكل معين يمكن طمسه أو تفسيره.

هناك سبب في أنه كان الكثير ممن اشتروا هذا الوهم الذي تم تسويقه بمهارة من الحامي. ثمن مواجهة الواقع مرتفع جداً. ضعوا جانباً للحظة السؤال المعروف الذي يتعلق بعدد الدول التي يجب أن تكون هنا، حيث إن هذا السؤال أصبح مع مرور السنين أحد طبقات طمس الواقع.

السؤال الجوهري هو هل سنعيش هنا في دولة أو دولتين، في كونفيدرالية أو في ديمقراطية متفق عليها، في واقع نعتبر فيه الفلسطينيين من بني البشر وهم يعتبروننا من بني البشر، متساوين ولهم وعي وتاريخ وهوية وطلبات سياسية منطقية، التي يجب مواجهتها بنظرة متساوية وليس كحذاء يدوس على العنق.

اغمضوا العيون وانظروا إلى الوراء، إلى تاريخنا هنا، متى كانت المرة الأخيرة التي نظر فيها أحدنا للآخر بنظرة متساوية، وليس من أعلى نظام التفوق الذي قمنا بتطويره.

أنا أتذكر الخطاب الأخير لرئيس الحكومة إسحق رابين في الكنيست في تشرين الأول 1995، قبل شهر من اغتياله، في النقاشات حول المصادقة على اتفاق أوسلو 2.

رابين بدأ أقواله بالكلمات المشحونة “نحن لم نرجع إلى ارض فارغة”.

اختيار هذه الكلمات بالتأكيد ليس صدفياً. فهي تنفي بشكل مباشر شعار الصهيونية، “أرض دون شعب لشعب دون أرض”، وهي صيغة مبكرة لكذب مهدئ من مدرسة الحامي.

ولكن رابين اختار للحظة عدم الكذب وحاول أن يواجهنا مع الواقع. فقد قال: “الفلسطينيون كانوا هنا”، حيث إنه بالتحديد كان يوجد شعب هنا في هذه الأرض.

رابين قال في حينه أموراً أخرى التي هي جزء من استمرار نظام التفوق اليهودي مثل “كيان فلسطيني”، الذي سيكون “أقل من دولة”، القدس عاصمة إسرائيل فقط، حدود إسرائيل في غور الأردن وما شابه.

في الحقيقة هذا لم يكن يختلف كثيراً عن خطة ترامب أو مقاربة نتنياهو “لإدارة” النزاع.

مع ذلك، وهذا هو جوهر الأمر، يوجد في هذه الأقوال كلمة المفتاح عن الأرض غير الفارغة.

هذه الكلمات رأى فيها رابين الفلسطينيين. اعتبرهم ليس كمواضيع للطرد، كما أمر أن يتم فعله بآلاف الفلسطينيين في اللد في 1948، بل كبشر، مجتمع، شعب يجب أن نتقاسم معه الوطن.

هذا كان يمكن أن يكون، ربما، بداية لطريق مختلفة. بالضبط بسبب ذلك من أجل منع حتى إمكانية تحقق ذلك تم قتل رابين.

لأن أوسلو 2 وعد الفلسطينيين بالكانتونات في مناطق أ، بل لأنه قال الخمس كلمات التي تضع الإمكانية لمستقبل سنعيش فيه جميعنا متحررين من قيود وعي التفوق.

نحن لم نقم بالسير في الطريق الأخرى. لقد اخترنا المواصلة وعدم رؤية الواقع كما هو. وهكذا سرنا مسافة طويلة في هذه الطريق، ومن أجل مواصلة ذلك قمنا بانتخاب الحامي، الذي منحنا بالضبط ما طلبناه.

اللقاء مع الواقع صعب. الثمن باهظ. هكذا فإن دافعية عدم الرؤية تواصل كونها عالية جداً. الحامي مستعد لمواصلة تزويدنا بالبضاعة، وبالتأكيد هناك من هو مستعد لأن يشتري.

هناك أيضاً من يريدون وراثة دور الحامي. هم سيكونون تجار الأوهام الجدد.

تقليد باهت للحامي الأصلي – فقط عدم مواجهة الحياة نفسها. كم من الوقت يمكن لهذا الهرب من الواقع أن يستمر وبأي ثمن؟.

يوجد أيضا خيار آخر، طريق مختلفة من حيث الجوهر، سنسير فيها، إذا كنا نريد أن يكون مستقبلنا هنا فإن هذه هي الطريق التي ليس لها بديل.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي