أخبارتقارير و دراسات

المُقاومة … مُتطلبات البناء ومسارات التفكيك “الجُزء الأول”

✍️ أ .عبد الله أمين الخبير العسكري والأمني

تحدثنا في السلسلة السابقة حول متطلبات إعداد الدولة للحرب أو الدفاع ، وحيث أن الدول ما هي إلا وكيل عن أصيل ؛ هو الشعب الذي تنازل لها عن بعض حقوقه من أجل حفظ وحماية بقية الحقوق ، ومنع الآخرين من التعدي عليه ـ الشعب ـ وعلى مصالحه ، فإنه في حال قصر الوكيل عن حفظ مصالح الأصيل ؛ فإن الأخير يلجأ إلى كافة الطرق والسبل التي كفلها له الشرع والعرف والقوانين الشرعية والوضعية من أجل حماية ذاته ومصالحه والدفاع عنها ، ومن هذه المصالح وعلى رأسها ؛تلك التي عرفها الشرع بالضرورات الخمس واجبة الحماية وهي : الدين والنفس والعرض والعقل والمال ، ومن هنا ، ومن باب قيام الأصيل بما عجز عنه الوكيل ؛ تنشأ حالة ما يعرف بالمقاومة أو الثورة أو الرفض أو الانتفاضة وغيرها من المصطلحات التي تعارف عليها الناس للدلالة على حالة الرفض التي يقوم بها الانسان للتعبير عن سخطه وعدم رضاه عن واقع حال يعيشه وتطلعه إلى مستقبل واعد يرنو له ويعمل لبلوغه .
وحيث أن الكاتب يدعي أن المقاومة هي أشمل وأكثر بلاغة وتعبيراً عما نريد ونقصد في ثنايا هذه المقالات ، من مصطلح الثورة ، فإننا رأينا أن نعنون هذه المقالات بالمقاومة وليس الثورة ، فالأولى فعل مداوم تطلبه طبيعة الأشياء ولا يمكن أن نتخيل مسار الدنيا بدونه ، فأنت تقاوم الجوع والعطش والريح التي تصفع الوجه عند السير ، كما تقاوم الشيخوخة وأمراضها بالرياضة ونَصَبِها ، وهكذا يولد المخلوق ــ مطلق مخلوق ـــ وقد فطر على المقاومة ، أما الثورة فهي فعل ظرفي ينتهي بانتهاء سببه ، فالبركان يثور لغليان الحمم في باطن الأرض ، وبرد جوفها يخمدت ثورته ، ويثور الانسان غضباً إن اعتدي عليه ، ويسكن غضبه إن رد له حقه . وعليه فالمقاومة فعل مستدام تطلبه طبيعة الأشياء ، والثورة فعل ظرفي يستحثه سببه ويزول بزواله .
والمقاومة حتى تعبر عن نفسها وتظهر للعيان ؛ لا بد لها من متطلبات تكّونها وتساعد على ظهورها ، وحيث أننا نتحدث عن مقاومة المحتل الغاصب للارض والحقوق ، فإننا سنأتي على ذكر أهم متطلبات بناء المقاومة وأسباب نجاحها ، كما أننا سنتحدث عن مسارات تفكيك هذه المقاومة بعد أن تسنفذ هدفها الذي أنشئت من أجله ، أو قد تُفكك كنتيجة لفعل معاد يقوم به العدو أو من ينوب عنه ، بعد أن يرى أنه لا سبيل له عليها بالقوة الخشنة ؛ عندها ـ في الجزء الثالث ــ سنتحدث عن أهم المسارات التي يسلكها العدو ليضع المقاومة على سكة تفكك عناصرها لينمحي ذكرها قبل أن تنجز مهمتها التي من أجلها أنشئت . آملين أن تكون هذه المقالات من باب فتح النقاش في هذا الأمر ــ البناء والتفكيك ـ ، علنا ننجح في الأولى ونتقي خطر الثاني .

أولاً : متطلبات البناء :

1. قضية عادلة :
من أجل أن تُظهر المقاومة نفسها وتعبر عن حالها وتُشاهد عبر الفعل الذي يمارسه أهلها ، ومن أجل أن تتحول من حالة سخط أو رفض فردي إلى حالة من الرفض العام والشامل الذي تتظافر فيه الجهود ويعضد بعضه بعضها لتحقيق الأهداف بأقل الخسائر وفي أسرع الأوقات ، لا بد لها ــ المقاومة ــ من تمثل قضية عادلة يلتف حولها المتضررون الداخليون ، وتحوز دعم الداعمين والمؤيدين الخارجيين ، وقد تكون هذه القضية على الشكل الآتي :

1. وطن محتل :
احتله غاصب أو طامع ، فصادر خيراته واستعبد أبناءه ، وعاث فيه الفساد ، وأحل قومه ـ المحتل ــ مقام أهله ، فشردهم وأخرجهم من ديارهم وأوطانهم ، فكان حقاً عليهم ــ المحتلة أرضهم ــ قتاله ودفع ظلمه واحقاق الحق واعادة ما اغتصب إلى أهله ، وقد قال ربنا في محكم تنزيله في سورة الحج : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40) .

2. حق ضائع أو مغتصب :
قد لا تكون البلاد محتله أو الأرض مستعمرة ، ولكن حقاً لأهلها أغتصب ومطالب حيوية لهم ضيعت ، وتسلط العامل الأجنبي من خلال الوكيل المحلي ــ حكامهم ــ عليهم ، يغتصب حقوقهم وينتهك محرماتهم وينهب ثرواتهم ويحولهم إلى مواطنيين من الدرجة الثالثة ؛ فالأولى للأجنبي والثانية للطبقة الحاكمة المرتهنة والثالثة لأبناء الشعب ، يسامون سوء العذاب .

3. نصرة مظلوم ودفع ظالم :
وقد تكون هذه القضية العادلة نصرة مظلوم ودفع ظالم ، وقد قال ربنا في محكم تنزيله في سورة النساء : وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرا(75) ، فهم مستضعفون يبغون الناصر ، ونصرهم يوجب الحشد وجمع الجهود وتظافرها .

2. قيادة رشيدة :
لا يكفي أن تكون هناك قضية عادلة يراد الدفاع عنها لكي تتكون المقاومة وأن ينطلق مسار رفض الواقع غير المرغوب بحثاً عن الوضوع المطلوب ، وإنما لا بد من أجل حشد القدرات وتوليد الرغبات ومن ثم تحويلها إلى إجراءات من أن تكون هناك قيادة رشيدة قادرة على تجميع القدرات المشتتة وصوغها في مشروع عمل ذو مغزى وأهداف يرى عموم الشعب أنها ــ الأهداف ـ أهدافهم ومبتغاهم وما يبحثون عنه ، وهذه القيادة حتى تنجح في مسعاها في حشد هذه القدرات والطاقات ؛ المادي منها والبشري ، لا بد من أن تتحلى بمجموعة من الصفات والميزات ، نذكر أهمها وأشملها ، وهي :

1. وضوح رؤية :
يجب أن تكون هذه القيادة صاحبة رؤية واضحة ، قادرة على تشخيص الواقع ومعرفة أين تقف الآن وأين تريد أن تذهب ، وما هي الوسائل وطرق العمل التي ستستعين بها وتصل من خلالها من الوضع الحالي غير المرغوب إلى الوضع المستقبلي المطلوب . قيادة قادرة على تحديد العدو والتهديدات الناتجة عنه بشكل دقيق غير حمال لأوجه ، ومن ثم معرفة الصديق والقواسم المشتركة معه . قيادة قادرة في خضم الأزمات والمشاغل وتزاحم الطلبات على ترتيب الأولويات وحشد وتخصيص القدرات بما يتناسب مع ترتيبها للأولويات .

2. المصداقية :
وحتى تكون القيادة قادرة على جمع القدرات وحشدها وتوجيهها باتجاه الهدف ، مع تعدد مشاربها ومصادرها ــ القدرات ـ لابد من أن تتحلى بمستوى عال من المصداقية ؛ مع الذات ومع الآخر ، فرأس مال القيادة الشعبية التي لا تملك القوة القهرية التي من خلالها تلزم الآخرين بالعمل ، إنما يكمن ــ رأس المال ـ فيما تملكه من مصداقية ؛ مصداقية من خلالها توصف الواقع بمخاطره وطريق الوصول للأهداف والغايات العليا بصعوباتها ؛ مصداقية تجعل من هذه القيادة قدوة في سلوكها للآخرين ، فينصاعوا لها ــ للقيادة ـ راغبين لا مرغمين .

3. تحمل المسؤولة :
وفي الطريق نحو تحقيق الأهداف وتغيير الواقع المعاش ؛ تكمن المصاعب والعقبات ، وعلى جنباته ستسفك دماء وتحجز حريات ، ولا سبيل لتحمل هذه الأهوال إلا بقادة يتحلون بروح المسؤولية ، فلا يعتسفوا القرارات اعتسافاً ، ويحسنون قراءة المشهد وتحليله ؛ فلا يحملون شعوبهم وكوادر عملهم فوق ما يطيقون ، ولا يحرقون المراحل حرقاً ، بل يراكموا الإنجاز تلو الإنجاز ويخطون الخطوة تلو الخطوة ، إلى أن يصلوا إلى مبتغاهم بأقل الخسائر وأقصر الأزمان .

4. الروح الثورية والرسالية :
لا بد لقادة المقاومة من أن يتحلوا بالروح الثورية والرسالية التي تحيل المستحيل إلى ممكن ، وتتغلب على عقبات الطريق ، وتصمد أمام المغريات . إن هذه الروح الثورية والرسالية هي التي تبقيهم متيقظين متنبهين مستنفرين ، فلا يؤتوا على حين غرة ولا يفاجأون وهم في غفلة . إن هذه الروح هي التي تعينهم على معرفة الغث من السمين ، والفرصة من الكمين .

5. تقبل المخاطرة :
إن طريق التحرير والدفاع عن الحقوق ورد ما اغتصب منها ؛ طريق شاقة مفروشة بالألغام والكمائن ، طريق ليست معبدة ولا ممهدة ، وخلف كل أكمة فيها تهديد ، وما لم تكن القيادة لديها قابلية تقبل المخاطر واقتحامها ، فإنها لن تحقق هدفاً ولا تنجز منجزاً ، فإيثار السلامة وطلب الدعة والراحة ليست من صفات المقاومين العاملين ، فضلاً عن قادتهم المخططين والموجهيين . إن تقبل المخاطر لدى قادة المقاومة بشكل خاص وعموم المقاومين بشكل عام ، تكاد تكون ـ بعد توفيق الله ــ سبب كل نصر وحلال كل العقد . إن رائد قادة المقاومة في هذا المقام ما ينسب للأمام علي كرم الله وجهه من قول : إذا هِبت شيئاً فقع فيه فإن شدة توقيه أصعب من الوقوع فيه .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق