أخبار

دلالات تعبوية وقراءة مستقبلية

المناورة الإسرائيلية في الضفة الغربية

أولاً : المقدمة :

تناقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية ، ومواقع التواصل الاجتماعي خبراً مفاده أن العدو الإسرائيلي قام في الأيام الماضية بإجراء مناورة عسكرية لقواته العاملة في الضفة الغربية ؛ شارك فيها جنود من ملاك فرقة الضفة الغربية ، مع الإشارة إلى مشاركة سلاح الجو المعادي في هذه المناورات ؛ عبر التحليق على علوٍّ منخفض في سماء منطقة العمليات . ولما كان العدو ومنذ بدء معركة طوفان الأقصى يشن الهجوم تلو الهجوم ، واجتياح في عقب آخر لمدننا وقرانا في الضفة الغربية ، بحيث وصل مجموع عملياته ما يزيد عن 60 عملية ؛ ارتقى على أثرها ما يقارب 450 شهيداً ، فضلاً عن اعتقال وتوقيف ما يزيد عن 8800 مواطن من سكان المناطق ، ولما كان نشاط العدو المشار له آنفناً  يغنيه عن ـ من حيث المبدأ ـ عن المناورات التدريبية ؛ جاءت هذه الورقة لتلقي الضوء على سلوك العدو هذا ، والهدف منه ، وما يمكن أن يستتبعه من إجراءات مستقبلية ، عبر مجموعة من العناوين التفصيلية ، التي تساعد في فهم الموقف ، وتقدير مآلاته .

ثانياً : تعرف المناورة :

نبدأ أولاً بتعريف المناورة ، حتى يسهل على القارئ بناء الإطار المفاهيمي لهذا السلوك العسكري وما يستدعيه ، وما يمكن أن يُفهم منه . فالمناورات العسكرية هي عبارة عن إجراء تعبوي أو رُكني ، ففي الأول ؛ تشارك قدرات قتالية فعلية تُشغّل ما تحت إمرتها من قوات ضمن بقعة جغرافية أشبه ما تكون لمنطقة عملياتها المستقبلية ، وفي الثاني ـ الركني ـ تتم المناورة في غرف العمليات باستخدام الخرائط والطاولات الرملية ، والصور الجوية ، دون أن يتم تحريك القدرات القتالية بشكل فعلي ، ولكن عبر اصدار الأوامر والتكاليف ، التي يصدرها قادة هذه القطع أو التشكيلات أو الوحدات العسكرية ، عبر أجهزة التواصل ، ووسائط القيادة والسيطرة تحت الإمرة .

ثالثاً : أهداف المناورات :

تقوم الجيوش والتشكيلات العسكرية والوحدات القتالية والأمنية ، وكذلك بعض هياكل الدولة المدنية بعمل المناورات التدريبية في سياق :  

1. فحص جاهزية القوات .

2. التدريب على مختلف سيناريوهات العمل المُتصورة عبر ضباط المعلومات والاستخبارات ، وجهات التقدير المخولة بهذا الأمر .

ويندرج تحت هذين الهدفين الكليين ، أهداف جزئية يشتقها المسؤولون عن تنفيذ هذه المناورات والتمارين العملية بناء على هدف المناورة المقر عبر قيادة القوات المسلحة ، أو الجهة صاحبة القرار في إجرائها وفي هذا تفاصيل فنية واختصاصية ؛ نريح القارئ منها . وهنا نلفت الانتباه إلى أننا سنستكمل هذا الورقة بناء على فرضية الحديث عن القوات المسلحة ، وليس غيرها من أطر وهياكل عمل مدنية أو أمنية .  

رابعاً : معايير نجاح المناورات :

يحصل عند الحديث عن معايير تقيم المناورات العسكرية ــ فشلاً أو نجاحاً ــ خلطٌ ينتج عن عدم تخصص الطرف المراقب عن بُعد ؛ فبعد كل مناورة يطالعنا المتحدثون باسمها ببيانات خلاصتها أن القوات المشاركة في المناورة نجحت في القيام بما هو مطلوب منها ، وتصدت للتهديد الفرضي . وهنا لا بد من العودة إلى الهدفين الكليين من أي مناورة ـ فحص جاهزية ، أو التدريب على سيناريوهات فرضيةـ كون هذين الهدفين هما من يحددان نجاح المناورة من فشلها . فإن كان الهدف من المناورة فحص الجاهزية ، أي معرفة نقاط ضعف القواتلتحديد مسار بنائها وتطويرها المستقبلي وسد الثغرات فيها ؛ يجب أن تفشل القوات في تحقيق هدفها من المناورة !! وإلّا لن  ننجح في وضع اليد على مكامن الخطر ونقاط الضعف للعمل على رفعها مستقبلاً . أما إن كان الهدف من المناورة التدريب على سيناريوها مستقبلية ؛فإن القوات يجب أن تنجح في تحقيق أهداف مناورتها ، لأن ما حشد من قوات يفترض أن يتساوق و أن ينهض بما رسم من سيناريوهات . وهنا أيضاً لن نخوض في تفاصيل فنية ومهنية يعرفها كل صاحب اختصاص ، ونكتفي بهذه الإشارة السريعة لهذين المفهومين الفنيين .

خامساً : الدلالات التعبوية للمناورة الإسرائيلية :

قلنا أن العدو كان في غناً عن القيام بمناورات في الضفة ، كونه يقتحمها كل ( ما دق الكوز بالجرة ) ، وهذه الاقتحامات يفترض أن تساعدفي فحص جاهزية القوات ، والتدرب على ما يضعه العدو من سيناريوهات ، إلى أننا يمكن أن نشتق مجموعة من الدلالات التعبوية ،والمفاهيمية الناتجة عن هذه المناورة والعسكرية ، والتي من أهمها :  

1. الضفة الغربية هي تهديد رئيسي في منظومة تهديدات العدو :

الدلالة الأولى هي أن الضفة الغربية ، وما فيها ومن فيها من مقاومين ومدنيين ، وما ينتشر فيها من مستوطنات للعدو ، جعلت منها ـ من الضفة الغربية ـ  أشبه بالجبنة السويسرية ، إن الضفة الغربية بهذا التوصيف كانت وما زالت وستبقى تهديداً وجودياً على المشروع الصهيوني إلى أن يأذن الله بالتحرير ، ويسألونك متى هو ؟ قل عسى أن يكون قريباً .  

2. حرص العدو على جز ( عشب ) المقاومة ومنع تنامي قدراتها :

أما الدلالة الثانية ، فهي أن العدو ــ لأن الضفة الغربية على ما قيل من تصويف سالف ــ حريصٌ على عدم تنامي قدرات المقاومة فيها ، ومععلمه أن ما فيها من قدرات قتالية ـ بشرية ومادية ـ  إلى الآن لا تشكل تهديداً ذا مصداقية عليه وعلى مستوطنيه ، هو حريص على إبقاءأهلها وناسها تحت الضغط ، وضمن مربع رد الفعل ، الذي لا يُمكّنهم من تطوير قدراتهم ، ومراكمة خبراتهم ، فإن كانت الحرب في غزة ؛فالعين على لبنان ؛ وجوهر الصراع في الضفة الغربية .

3. ضرب الحاضنة الشعبية وفضها عن المقاومة :

ومن الأمور التي يتوخى العدو تحقيقها من مثل هذه المناورات ؛ التدريب على ،  وفحص جاهزية قواته للتعامل مع الحاضنة الشعبية للمقاومة، وكيف يمكن أن توضع تحت الضغط الذي يفضي إلى انفضاضها عن المقاومة والمقاومين . إن سيناريوهات العدو تفترض أن هذه الحاضنة إن تم التعامل معها بحكمة وبصيرة ، سوف تشكل مع الأيام الخزان البشري والمادي الذي تنهل منه قوى المقاومة ، وتعوض خسائرها من الغَرف منه ، لذلك يتدرب على ضربها ، وكسر شوكتها ، وإبقائها تحت الضغط والملاحقة .  

4. منع المقاومة من مراكمة الخبرات :

كما أن أحد أهم الأهداف التي يتدرب العدو عليها من خلال هذه المناورات ، والبيانات العملية ، ما يضعه من سيناريوهات ، وما يصممه من مواقف عملية لكيفية منع المقاومة من مراكمة خبرات بشرية قادرة على تشكيل تهديد ذي مصداقية عليه وعلى جنوده ومستوطنيه في فلسطين عموماً ، والضفة الغربية خصوصاً .  

5. ( عدم ) نجاعة الاقتحامات في اكساب العدو خبرات :

الأمر الأخير الذي نعتقد وقوفه خلف مثل هذه المناورات ، وفي ظل ما يقومه به العدو من اعتداءات واقتحامات ، هو أن هذه الإجراءات التعبوية اليومية ، أو ما يعرف بإجراءات الأمن الجاري ؛ لا تُكسب جنوده ووحدات عمله الخبرة والتجربة المطلوبة ، لذلك يضيف إلى اقتحاماته اليومية ، مناورات موسمية .

سادساً : القراءة المستقبلية :

بناء على ما تقدم من تعريف للمناورات ، وما نعتقد أنه يقف خلفها من أسباب ودوافع ، فإننا نعتقد أن المسار المستقبلي لهذا العدو سوفيتسم بالسمات الآتية ، التي نتركها دون شرح وتفصيل ، كونها من الواضحات  التي لا تريد شرحاً ولا تفصيلات ، هذه السمات نعتقد أنأهما ما يأتي :  

1. إدامة الضغط اليومي على المقاومة ، بهدف منع نموها ومراكمتها للخبرات والقدرات البشرية والمادية .  

2. إدامة الضغط على الحاضنة الشعبية ، بهدف ( كي ) وعيها ، والعمل على إيجاد شروخ بينها وبين المقاومين والمرابطين .  

3. محاولة فض الحاضنة الشعبية عن المقاومة ، من خلال إظهارها أنها هي سبب معاناة وآلام الناس .

4. محاولة تظهير ما تقع فيه المقاومة من قصور ـ ظرفي أو موضوعي ـ  في الإجراءات ، بهدف حرمان المقاومة من ثقة الحاضنة الشعبية فيها، لما ينتج عن هذا الحرمان من آثار سلبية على نمو المقاومة وتطورها .

سابعاً : توصيات عملية :

1. مراقبة إجراءات وسلوك العدو أثناء المناورة على الأرض .

2. معرفة القوات المشاركة في المناورة ، والتعرف على قدراتها ومجالات عملها .

3. الحرص على الحاضنة الشعبية وتأمين متطلبات صمودها ، واكتساب ثقتها .

4. عدم وضع المقاومين وبيئتهم تحت ضغط الحاجة إلى إنجاز ، وإخراجهم من مربع المهم العاجل .

5. منح المقاومين الزمن اللازم لمراكمة القدرات واكتساب الخبرات .

6. دراسة كل ما يتم من أعمال وإجراءات معادية ، واستخلاص الدروس والعبر منها ، كممر إجباري لتطور المقاومة وتحسين فعلها .

كانت هذه قراءة سريعة لهذا الإجراء ـ مناورة العدو ـ المعادي ، والذي نعتقد أنه يجب أن يأخذ هو وأمثاله من الإجراءات حقه من الانتباه والمراقبة ، ليبنى على الشيء مقتضاه . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

عبد الله أمين

21 05 2024

 

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي