#خبر_الهدهدمقالات

طوفان الأقصى … الحكومة العسكرية في غزة الفرص والتهديدات

عبد الله الأمين محلل أمني وإستراتيجي

تقدير موقف

تنشغل جميع أطراف الحرب في غزة باليوم التالي لوضعها أوزارها ؛ فالعدو منشغلٌ بما سيرسو عليه الموقف مقارنة بما وضعه لحربه من أهداف ، والتي قلصها ، بعد أن كان مددها ؛ فأصبح هدفه منها أن يقضي على قدرات حماس السلطوية والعسكرية ، مع ما يحمله هذا الهدف من مضامين ، وأهداف جزئية . والمقاومة بدورها منشغلة باليوم التالي لمعركة ” طوفان الأقصى ” وما يتطلبه من جهود لرفع ومعالجة آثارها وما نجم عنها ، والبدء بعمليات الترميم والإعمار لما دُمر من بنى تحتية ومجمعات سكنية وخدمية . والعدو جل همه أن لا تعود حماس وباقي فصائل المقاومة في غزة إلى سابق عهدها من نشاط ومراكمة للقوة ، بحيث تعيد تشكيل نفسها كتهديد ذي مصداقية يهدد أمنه واستقراره ، لذلك يقترح أشكالاً متعددة لكيفية إدارة القطاع بعد خروجه منه ؛ فمرة يتحدث عن عودة سلطة الحكم الذاتي بأجهزتها الأمنية لتسيطر على غزة وما تبقى فيها من بشر وحجر ، وفي سيناريو آخر ؛ يطرح مشاركة عربية أو إسلامية في إدارة ما خلّفه خلفه من دمار وحصار ، كما أنه ناقش مع حلفائه الغربيين والعربيين تَسلم قوة دولية بقيادة الناتو زمام الأمور في المناطق بعد انسحابه منها ، كما أنه لم يستثني الحديث عن إقامة حكم عسكري في قطاع غزة ، يتولاه هو بذاته وبقدراته ، ما جعل الخلاف المخفي بين وزير الدفاع ” غالنت ” و رئيس حكومة العدو ” نتن ياهو ” يطفو على سطح المشهد السياسي المعادي ؛ حيث يرى الأول أن لا مصلحة له ولحكومته في إقامة حكم عسكري في غزة لما يتطلبه هذا من تخصيص لموارد عسكرية غير عسكرية قدرت بأربعة فرق ـ ذيل وأسنان ـ هو في أمس الحاجة لها لمواجهة تهديد المقاومة الإسلامية في لبنان ممثلاً بحزب الله وباقي فصائل المقاومة التي أقلقت راحته انطلاقاً من شمال فلسطين المحتلة ، هذا فضلاً عما سيلقيه عليه تولي مثل هذه المهمة من تبعات سياسية أمام المجتمع الدولي .

إن هذه الورقة سوف تناقش مسألة إقامة حكم عسكري في قطاع غزة ، وما يمكن أن تشكله مثل هذه الحكومة في حال إقرار إنشائها من تهديد على المقاومة وعلى أهلنا ، وما يمكن أن ينتج عنها من فرص يمكن أن تُستغل من قبل فصائل العمل الجهادي في مسرح عمليات القطاع . إلا أننا سوف نعرف المصطلح ـ الحكومة العسكرية ـ ، وأسباب إنشاء وإقامة مثل هذا النوع من الهياكل السياسية ، قبل أن نعرض للفرص والتهديدات المتصورة في مثل هذا الموقف .

تعريف الحكومة العسكرية أو الحكم العسكري :

يُعرّف مثل هذا النوع من الحكومات اصطلاحاً بـ “ستراتوقراطية Stratocracy ” أو ” Military Government” ، وهو نوع من أنواع الحكم الذي تتولى فيه زمام السلطة مجموعة من العسكريين المحترفين ، بحيث يُعهد إليهم تصريف وإدارة شؤون الوزارات الأمنية وغير الأمنية ، متمتعين بصلاحيات إدارية أوسع مما هو ممنوح للوزراء المدنيين ، أو ما يعرفون بـ ( التكنوقراط ) ، حيث تتشكل هذه الحكومات في ظروف موضوعية مثل الانقلابات العسكرية ، أو الأزمات و الكوارث الطبيعية ، أو في حالات الاحتلال الأجنبي .

سبب تشكيل هذا النوع من الحكومات : 

الحاجة إلى مستوى عالٍ من الصلاحيات :

يعود السبب الأول لتشكيل مثل هذه الحكومات إلى الحاجة لمستوى عالٍ من الصلاحيات الإدارية والإجرائية ، لتنفيذ المهام والتكاليف الملقاة على عاتق آحاد وزراء هذه الحكومة وأركانها ، فصلاحيات هؤلاء المسؤولين تأتي مباشرة من رأس الهرم الذي وكّلهم تصريف الأعمال وتسييرها ، لذلك فسقوف قراراتهم أعلى بكثير من سقوف قرارات غيرهم من الوزراء المدنيين .

الحاجة إلى مستوى عالٍ من تحمل الضغط الناتج عن الأعمال : 

سبب آخر يرجع له تشكيل مثل هذه الحكومات ، هو قدرة تحمل متصدي المسؤولية فيها لضغوط العمل ، وما ينتج عنه من مصاعب ، فطبيعة العسكريين ، وما تدربوا ونشأوا عليه طوال سنوات خدمتهم في السلك العسكري ، تجعل منهم أكثر تحملاً لما يمكن أن يواجهوه أثناء عملهم من ظروف تتطلب منهم ساعات عمل طويلة ، أو العمل تحت ظروف الضغط غير العادي .

تقليص المسار البيروقراطي لتنفيذ المهام : 

معروف عن العمل الحكومي أنه يتطلب أوقات طويلة ، والسير ضمن سلسلة بيروقراطية ، تجعل ما يمكن أن ينجز في يوم أو أسبوع ؛ يتطلب الانتهاء منه أياماً طويلة ؛ فمن مكتب إلى مكتب ، ومن إدارة إلى أخرى ، ومن موظف إلى زميله و ( عد ومد ) . أما في الحكومات العسكرية ؛ فهذه السلسلة الطويلة من الأعمال قد تُختصر في أمر واحد ، ومن خلال مكتب أو موظف بعينه ، مما يقلص النفقات ، ويختصر الأوقات ، ويسرع في إنجاز الأعمال والإجراءات .

الحاجة إلى سرعة فرض الأمن والاستقرار : 

قلنا أن أحد علل تشكيل الحكومات العسكرية ، أنها تأتي في سياق معالجة حالة من الفلتان الأمني الناتج عن الكوارث والأزمات ، أو الثورات والانقلابات ، فضلاً عن الحكومات التي يشكلها المحتل ، مما يعني الحاجة إلى السرعة في العودة إلى حالة الاستقرار السابقة لهذه الظروف الموضوعية ، الأمر ـ إعادة الاستقرار ـ الذي يُعهد فيه إلى ضباط الجيش والأجهزة الأمنية لتولي زمام المسؤولية ، لما يملكونه من صلاحيات كبيرة ، ومتسعة ، تساعد في إعادة الوضع في البلد أو الإقليم إلى سابق عهده .

الشعور بـ ( أحقية ) تولي السلطة كنتيجة لـ ( التضحيات ) : 

الأمر الأخير الذي قد يشكل دافعاً ، وعلّة لتشكيل هذه الحكومات ؛ ما يراه متصدو الأمر فيها من أحقيتهم في الحكم ، وتولي زمام الأمور ، لما قدموه من تضحيات في مسير تغيير الوضع السابق ؛ كما يحدث في حالة الثورات ، أو الانقلابات ، وحتى في حالة دحر المحتل ، حيث يرى من قدم التضحيات أنه أولى من غيره بتولي زمام المسؤوليات ، إلى حين تغيير الأوضاع ، والخروج من حالة اللااستقرار الناتجة عن الظروف التي تحدثنا عنها سابقاً والمسببة لتشكيل هذا النوع من سلطات الحكم وأطره .

متطلبات تشكيل الحكومات العسكرية :

قرار سياسي : 

فبدون هذا القرار لا يمكن أن تكتسب مثل هذه الأطر شرعية الحكم ، أو تمنح صلاحية تطبيق القوانين مرعية الإجراء ، فقد يرى ملك البلاد مثلاً أن الظروف تستدعي تشكيل مثل هذا الإطار الحاكم ، فيعهد إلى قيادة الجيش تشكيل حكومة عسكرية ، يمنحها صلاحيات الحكم باسمه ؛ أي بناء على قراره السياسي . كما أن سلطات الحكم الناتجة عن الثورات أو الانقلابات ؛ حتى تخرج من تحت طائلة المساءلة ، تعمد إلى إصدار تشريع أو قانون تفوض من خلاله مجموعة من الضباط تشكيل حكومة عسكرية تسير شؤون العامة ، وتنجز مصالح الشعب ، إلى حين استقرار الأمور ، أو استتباب الأمن .

قدرات بشرية ومادية :

كما يتطلب مثل هذه الحكومات ، توفر قدرات بشرية ومادية فائضة عن حاجة المؤسسة العسكرية ؛ تخصصها لتولي شؤون الإدارة المدنية ، فالقوات المسلحة أثناء الحروب أو الكوارث والأزمات ، أو في حالات الحروب والمعارك ، هي في أشد الحاجة لتعبئة كامل قدراتها البشرية والمادية للتصدي لأصل التهديد الحالي ، وليس لديها ترف تبذير الموارد في غير طائل ، وعليه لا تعمد إلى تخصيص جزء من هذه القدرات والموارد للتصدي للشأن العام ؛ ما لم تكن تملك فائضاً من هذه القدرات ، فتخصصه لسد هذه الثغرات .

شرعية محلية : 

كما لا يمكن تصور تشكيل حكومة عسكرية لا تحظى بشرعية محلية ، فالمواطن المدني ليس معتاداً على الدخول لإجراء معاملة مدنية في دائرة حكومة ليرى أمامه ضابطاً أو ضابط صف أو جندياً باللباس العسكري هو من يتصدى لحل مشكلته ، وإنجاز معاملته ــ ما لم يكن أصل المعاملة مرتبطاً بدائرة عسكرية ـ وفي حالة تصدي العسكريين للشؤون المدنية ؛ فإن عموم الشعب ما لم يقبل بمثل هذا الوضع ، فإن ما ينتج عنه من مشاكل ومعضلات ؛ أكبر بكثير مما يعتقد أنه سينتجه من تسهيلات ، وأول هذه المشاكل ؛ شعور المواطن أن الجالس أمامه لينجز معاملته لا يملك شرعية الجلوس حيث هو ، أو التصدي لشأن قد يكون خارج اختصاصه أو مجالات عمله .

قبول دولي وإقليمي :

وهذا أمرٌ مفروغ منه ؛ فالعالم اليوم لا يتقبل مثل هذه الحكومات ، لذلك فإن ما ينشأ عن الثورات أو الانقلابات العسكرية -من سلطات أو أطر حكم ، يجهد متصدوه والقائمون عليه في تكرار لازمة أن وجودهم ظرفي ، وأن حكمهم انتقالي ، وأنهم سيسلمون مقاليد الحكم للمدنيين بعد استتباب الأمن ، وزوال علّة توليهم الحكم ، لمعرفتهم أن عدم وجود قبول إقليمي أو دولي لهم وما نتج عن حركتهم من سلطات في استمراره ودوام بقائه يعني الحصار ، وقطع العلاقات السياسية والاقتصادية معهم ، مما ينتج عنه حالة من الشلل والجمود التي قد تطول ، فتطول معها الأزمة ، لذلك يجهد متصدو الحكم العسكري في تحصيل القبول الدولي والإقليمي ، ليضمنوا تسيير شؤونهم ، وإدارة عجلة حكمهم .

الفرص المتصورة لتشكيل حكومة عسكرية في غزة : 

توفر بنك أهداف دسم ومتجدد ، تستطيع المقاومة التصدي له والتعرض عليه في أي وقت شاءت وبأي وسيلة أرادت .

تشكيل أزمة سياسية للعدو على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي .

كشف المستور المحلي من عملاء وأعين للعدو ، فهو في أشد الحاجة لهم في تسيير كثير من أمور حكومته في حال قرر إنشاءها ، مما يدفعه للاستعانة بهم وطلب تحركهم .

تحمل المسؤولية الاجتماعية والحياتية للسكان ، فالقوانين والشرائع الدولية ، تُحمل المحتل مسؤولية تأمين المتطلبات الاجتماعية والحياتية لمن يقعون تحت احتلاله .

استنزاف قدرات العدو ، حيث أن العدو لا يملك قدرات عسكرية فائضة عن حاجته الحالية قادرة على فرض حالة استقرار دائم تمكنه من تقليل خسائره في غزة ، أو تشكيل إطار محلي قادر على الحلول مكانه .

التهديدات المتصورة لتشكيل حكومة عسكرية في غزة :

بقاء الاحتلال للأرض والسيطرة على كل ما فيها ، ومن فيها ، وهذا أهم تهديد يمكن أن يُتصور في حال تشكيل العدو حكومة عسكرية في قطاع غزة .

منع ترميم القدرات ؛ فبقاء العدو في القطاع تحت مسمى حكومة عسكرية ؛ يعني السيطرة على الأرض والسماء ، والتحكم في كل شاردة وواردة فيها، مما يحيل مهمة ترميم القدرات ، وإعادة بناء الذات أمراً صعب المنال ، إن لم يكن مستحيلاً .

تفعيل الأحكام العسكرية ، حيث يُمنح ضباط العدو وقادته العسكريين صلاحيات واسعة في إنفاذ الأحكام العسكرية الميدانية ، مما يزيد من منسوب الخطر على المدنيين ، فضلاً عن المقاومين .

التقدير : 

لا نعتقد أن العدو ذاهب إلى تشكيل حكومة عسكرية في قطاع غزة ، تتسلم زمام الأمور المدنية والحياتية للسكان ، كون تشكيل مثل هذه الحكومة يتطلب توفر مجموعة من الشروط الموضوعية والظروف الميدانية وعلى رأسها :

قبول المؤسسة الأمنية لمثل هذا الخيار ، الأمر غير المتوفر حالياً ، ولا نعتقد إمكانية توفره مستقبلاً .

القضاء على المقاومة بحيث لا تشكل تهديداً ذا مصداقية على قوات العدو العاملة في القطاع ، وهو أمرٌ مستبعد الوقوع .

توفر طرف محلي قادر على ، وقابلٌ أن يتعاون ويتشارك مع العدو في إنفاذ هذا المخطط ، الأمر الذي لا نعتقد أنه متاح إلى الآن .

التوصيات : 

التحذير من مغبة تساوق أي طرف محلي أو إقليم أو دولي مع مثل هذا السيناريو ، وإظهار جدية التصدي لمثل هذا الأمر بغض النظر عن الطرف المشارك فيه ، أو المسهل له .

تظهير خطر مثل هذا الخيار على أمن قوات العدو الممكن مشاركتها في تنفيذ هذا الخيار .

عدم إعطاء أي فرصة لتشكل أنوية إدارية محلية متواطئة مع العدو ، مهما صغر حجمها ، أو تنوع عملها .

ضرب البنى التحتية ـ مقرات قيادة وسيطرة ، مكاتب محلية ، مندوبين مدنيين ـ الممكن أن تشكل نقاط ارتكاز لتفعيل خيار الحكومة العسكرية .

تزخيم العمل المقاوم وضرب مراكز ثقل العدو ورؤوس جسوره المنتشرة في طول القطاع وعرضه .

 

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي