مقالاتمقالات إستراتيجية

طوفان الأقصى … متى وكيف تدخل الحروب في حالة استعصاء؟ 

عبد الله الأمين محلل وخبير أمني وإستراتيجي 

استهلال: 

قيل في المثل أن ” صحاب الحاجة أرعن “؛ فما بلنا إن خلط صحابة الحاجة الخاص في العام ! عندها لا تستطيع أن تتوقع سلوكه، ولا أن تتنبأ بقراراته، وليس أخطر على المسؤول من موقف يجد نفسه فيه؛ من موقف لا يستطيع فصل الخاص فيه عن العام؛ عندها لن يستطيع أن يرى الأمور كما هي، ولا قراءة خلفياتها ، والباعث والمحرك لها، فضلاً عن تقدير مآلاتها وما يمكن أن تفضي له. هذا في العموم؛ أما في الخصوص فإن صحاب الحاجة يسلك دروباً عدة من أجل الوصول إلى حاجته، وتلبية مطالبه ورغباته؛ عارضاً كل طريقة عمل يرى أنها قد تفضي به إلى ما يريد على ميزان الجدوى والأكلاف؛ فإن كانت أكلاف الطريقة التي يعتقد أنها موصلة إلى هدفه أكبر وأكثر من جدواها؛ فإنه يُعرض عنها ـ طريقة العمل ـ إلى سواها ، وهذا مقتضى العقل والفهم السليم ، والدين القويم ؛ فدفع المفاسد أولى من جلب المصالح ، ولا ( يتعبط ) صاحبة الحاجة طريق عمل للوصول إلى هدف وهو يرى أن فيها الموت الزؤام ، أو أن ما سينتج عنها من خير لا يقارن بما ستولده من شر؛ فالعاقل من عرف شري الشرين وخير الخيرين .

إن أصل هدف الدول والحكومات ، وما عليه عُقد عقدها اجتماعي مع أهل البلد أو الإقليم هو : تحصيل مصالح شعوبها والدفاع عنها ، ومنع التعدي عليها ـ المصالح ـ أو تهديها ، وهنا تتسع مروحة المصالح لتشمل كثيراً من الأمور ؛ لا تبدأ بالمحافظة على أمن ووحدة أراضي الدولة وأقاليمها ومن يسكنون فيه ، ولا تنتهي بتحصيل ما يُقيم أود أهل هذه الأقاليم ويحسين من عيشهم ، وبين هاتين الحافتين أمور لا يتسع المقال لذكرها ، أو التطرق لها . وعندما تريد هذه الدول تحصيل المنفعة ، أو الدفاع عن المصلحة ؛ فإنها تنتهج طرقاً متدرجة ، تبدأ بالأسهل ، فالأصعب ، ولا تنتقل من مستوى ً إلى آخر مالم تقطع بأن ما سبق لم ولن يحقق المطلوب ، فيبدأ القادة المسؤولين بالعمل الدبلوماسي وما فيه من مفاوضات ومناقشات ، و ( خذ وهات ) ، فإن حُصّل المطلوب ، ووصل إلى المرغوب ؛ طابت القلوب ؛ وإلا فالانتقال إلى المستوى الثاني من العمل ، وهو ممارسة الضغوط السياسية ؛ المباشرة وغير المباشرة ، وبشتى الوسائل والسبل ، ثم يُنتقل إلى ثالث مستويات الفعل والإجراء ، ألا وهو الحصار والمقاطعة ، وما فيهما من إجراءات ونشاطات ، ثم يبدأ ( البخار ) يصعد إلى الأدمغة ، وتَسخن الرؤوس وتحمى ، ونبدأ بسماع عبارات التهديد والوعيد ، وبعد استنفاد كل السبل والطرق ، تُسمع طبول الحرب وأبواقها ، وتحشد القوات ، وتعبئ القدرات ، ويُشرع في التحرك بتجاه مناطق العمليات ، فقد أعذر من أنذر . إذا فطرق تحصيل المصالح والدفاع عنها : دبلوماسية ، فضغوط ، فحصار ، فتهديد ، ثم الحرب والقتال .

هنا لا بد من التذكير أن المعارك والحروب والمناوشات الساخنة والخشنة ، إنما هي وسائل من أجل حل ما تعقد من نصوص وعبارات ، وفتح ما أغلق من أبواب ومسارات ، يُلجأ لها كأخر المعابر الموصلات ، وقد يظن المرؤ أن مجرد اختار هذه الطريق ، وانتهاج هذا النهج ، أنه سيحل ما تعقد ، ويفتح ما أوصد ؛ وأن حربه التي أعلنها ، أو معركته التي فتح نارها ؛ ستبقى كما خطط لها ؛ محدودة المكان والزمان ، مُتحملة الخسائر والأكلاف ، ويغيب عن صاحب قرار الحرب ، أو مشعل أوارها ونارها ، أنها ـ الحرب ـ لا تشبه ما خطط له على الورق ، ولا ما رسم على ( كالكات ) الوضعيات وخرائطها ، وأنها قد تخرج عن السيطرة ، وتتدحرج زماناً ومكاناً ، ولنا في معركة أوكرانيا السابقة ، معركة “طوفان الأقصى ” اللاحقة خير دليل ، ففي الأولى ظنت روسيا أنها بما تملك من قدرات وإمكانيات ، قادرة على حسم الموقف في أقصر الأوقات ، وأن حربها ضد غريمها لن تطول ، فإذا بها تدخل عامها الثالث ، دون حسم أو انتصار يمكن أن يُصّرف في السياسية ، وفي الثانية حيث معركتنا مع عدونا الغاشم الغاصب ؛ تقاتل فيها قوى المقاومة وفصائلها في شمال غزة بعد ثمانية أشهر من القتال ، وكأنها تقاتل في اليوم الأول للمناورة البرية للعد في بدايات كانون الثاني 2023 ، وهو الذي ظن قادته ومخططو عملياته أنهم سيحسمون الموقف لصالحهم في فترة زمنية لا تتجاوز الشهرين ! وإذ بهم ( يغرزن) في خان يونس لوحدها ما يقارب الشهرين ، وهي التي قال قادة مناورة العدو فيها ، ومالكوا زمام الفرقة 98 أنهم سيحسمون المعركة هناك خلال أسبوع !! إذا فالمعارك والحروب قد لا تكون على الشكل أو الوجه الذي خططت له ، أو بتلك السهولة والسلاسة التي ظهرت في مناورات التدريب السابقة لها ، كيف لا والحرب أعقد نشاط بشري فيه من المفاجآت ، والمجاهيل ، والمخاطر ، والفرص ، التهديدات ؛ ما يجعل منها أكبر مساحة غامضة قد يدخلها آدمي !

إن هذه الورقة ستتحدث عن حالة الاستعصاء الذي تدخلها الحروب والمعارك ، وعن أهم الأسباب التي يعتقد كاتب هذه السطور أنها تفضي بالحرب إلى نفق مظلم لا يُرى آخره ، آخذين بعين الاعتبار أن أسباب مثل هذه الاستعصاء كثيرة ، قد تتعدد فيها وجهات النظر ، وتختلف فيها زوايا التقدير ، كوننا نناقش نشاطاً بشرياً ( معجوناً ) بصفات وميزات وسجايا أصحاب القرار فيه . أما عن أهم ما نعتقد أنه يُدخل الموقف القتالي في حالة من الأزمة ، والمراوحة في المكان ، مع ما يصاحبه من خسائر وتضحيات بشرية ومادية ، فإنه قد يكون أحد هذه الأسباب ؛ منفردةً ، أو كلها مجتمعة وهي :

عدم تحديد الهدف السياسي من الحرب بشكل دقيق: 

لا نريد أن نطيل الحديث في هذا الأصل ، فأي نزاع أو ( طوشة ) في حي أو حارة ، لا يروم أطرافها أهدافاً من خوضها ، لا تعدو ضرباً من العبث و ( ولدنة ) لا تجر على من أشعل نارها سوى الملامة ، فضلاً عن مساءلة ممن نغص عليهم هدوء يومهم ، فما بالنا بحروب أو معارك أو صراعات ، يتسع أثرها وما ينتج عنها من تضحيات وويلات ليعم الجميع ، إن قرار الحرب إن لم يكن خلفه ، والغاية منه تحقيق هدف سياسي أو غاية مصلحية للدولة أو التنظيم أو الحركة ، وشعبها ومن تلي مسؤوليته ، إن قرار بحرب لا تهدف إلى هدف سياسي ، إنما هو قرار عبثي ، مسؤول عنه صانعوه ، ومتخذه في الدنيا قبل الآخرة . لذلك إن لم يكن هناك هدف سياسي ـ تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ـ متفق عليه بين ذوي الشأن والأمر ، غير حمّال ـ الهدف ـ لأوجه من حيث المعنى والمضمون والمقتضى ، ونمك من القدرات ما يمكنّا من تحصيله ؛ فهو من ضمن القدرات وليس من عالم الرغبات ، ما لم يكن أمر الهدف على ما قيل من توصيف ؛ فإن الحروب والمعارك والأزمات ، تدخل في حالة من الاستعصاء التي تحيلها إلى أمر مزمن طويل الوقت ، ممتد المدة .

عدم القدرة على تحويل الأهداف السياسية إلى مهام عسكرية وتعبوية: 

وما يدفع الموقف إلى الاستعصاء ؛ عدم قدرة جهات الاختصاص ، صاحبة مسؤولية وصلاحية تشغيل القدرات الخشنية المطلوب تفعليها لتحصيل المصلحة أو دفع المفسدة ، عدم قدرتهم على تحويل الأهداف السياسة إلى مهام عسكرية تعبوية ، تَحلُ ما انعقد ، وتفتح ما أوصد ، بأقل الأثمان ، وبأسرع الأوقات ، وعدم القدرة هذه ناتج عن مجموعة من الأسباب ، لن نخوض فيها حتى لا يطول الحديث ، ولكنها ـ الأسباب ـ لا تبدأ بعدم وضوح الهدف السياسي ، ولا تنتهي بقلة كفاءة المستوى الاختصاصي الذي يُطلب منه تحويل هذه الأهداف إلى مهمات ، وبين هذين السببين أسباب ، قلنا أنه يطول شرحها والحديث حولها . فإن عهدت القيادة السياسية تنفيذ الأهداف إلى قيادة غير مهنية ، ذات كفاءة اختصاصية ؛ ” فأبشر بطول سلامة يا مربع ” .

عندما لا يُعرف العدو عين المعرفة: 

كما أن عدم المعرفة الشاملة التفصيلية بالعدو ؛ نقاط قوته وضعفه ، دوافعه للقتال ، قدراته الذاتية العضوية ، وما يمكن أن يستدعيه من قدرات جانبية ، من حليف أو صديق أو متقاطع معه في مصلحة ، إن عدم المعرفة هذه يعني ، الدخول في مقامرة غير محسوبة ، ومنازلة غير معروفة النتائج ، لذلك قيل أن ” المعلومات عين القوات ” ، ولذلك أيضاً أجاب ” رابين ” عندما سؤول : لماذا تحكم على قاتل العميل وقاتل اليهودي بنفس الحكم وهو المؤبد ؟ أجاب لأنه بقتله للعميل يفقأ عيني !! ومعرفة العدو ونواياه ؛ مهمة ضباط الاستخبارات والمعلومات ، الذين يطلب منهم توصيف المشهد كما هو ، وكتابة الواقع على حقيقته ، حتى لو لم يعجب المسؤولين ، أو أصحاب القرار . وهنا لا بأس من التذكير بتعريف طريف للحرب عندما عرفّت أنها : موقف يحدث عندما يخطئ الجواسيس (اقرأ ضباط الاستخبارات ) ، ويبالغ الساسة !! وهنا يطول الحديث ، التخصصي والمهني . لذلك فإن عدم معرفة العدو يعني ( عد ومد ) زماناً ومكاناً .

عدم تعرف النصر أو الهزيمة: 

ومما يطيل الحرب ويدخلها في نفق مظلم ؛ عدم تعريف النصر أو الهزيمة ؛ نصرك الذي تبغي ، والهزيمة التي تروم لخصمك ، فعدم التعريف الدقيق المبني على علل عقليه ، ومؤشرات وقرائن تعبوية ، قد يجعل المقاتلين يتجاوزون أهدافهم دون الملاحظة ، أو قد يضعون أنفسهم في مواقف لا يرون فيها مؤشرات هزيمة العدو ؛ فيحجمون عن المواصلة ، وإدامة الزخم ؛ فيخفقون حيث كانوا من النصر قريبين ! يجب أن تحدد الأهداف السياسية بدقة ، ليُقدر على تحويلها إلى مهام عسكرية وتعبوية ، ضمن القدرات القتالية الذاتية ، ثم توضع بناء على ذلك معالم النصر ومؤشراته ، و الهزيمة وقرائنها ، وإلّا ؛ فنفق مظلم ، وثقب أسود ؛ قد يبتلع القدرات ، ويودي بالمقدرات ، ويبدد الإنجازات ، كما يمكن أن يتحول فيه النصر إلى هزيمة ، أو العكس ، فالله الله في المصطلحات وتعاريفها ، وما ينبني عليها من مقتضيات فلا ( تشلف شلفا ) ولا تُترك لتفهم ضمناً .

عندما يكون هناك لطرف ثالث مصلحة في بقاء الحرب:

إن المنخرطين في نزاع أو حرب أو معركة ، ولكونهما في خضمها ، ويلفهم غبارها ، قد لا يرون من يشعل أوارها من الخارج ، ومن يصب الزيت عليها ليزيدها اشتعالاً ، بل إن بعض متخذي قرار العمل الخشن ؛ يفوتهم التقدير الدقيق ، ولا يرون مجمل الصورة الكبيرة لـ ( رقعة الشطرنج ) التي ( يلعبون ) عليها ، فلا يرون من يقف ، أو قد يقف خلف عدوهم ، فيمده بأسباب البقاء ، وعناصر القوة لأسباب قد تخفى أو تتجلي ، المهم أن هناك طرف ثالث له مصلحة في بقاء الحرب ، وتمدد زمانها ، واتساع مكانها ، فلا يفتأ يمدها بأسباب البقاء ومسبباته ، عندها حتى وإن أراد طرفي النزاع الخروج من هذا الموقف ؛ فإنهما لن يتمكنا من هذا ، فمن قدم ما قدم لم يقدم لسواد العيون ، ولا كصدقة جارية ، إنما قدمه لتحصيل هدف له يرى أن هذه الحرب أو المعركة تحققه وتنجزه ، عندها يدخل على الخط صحاب هدف قد لا يكون تحقيق هدفه من أولويات كلا طرفي الحرب الذين يكتويان بنارها ، لكنهما لا يقدران على وقف اشتعالها، ولنا في أوكرانيا ، والأزمة السورية ، خير مثال . إن دخول طرف ثالث على حرب لا يعني سرعة حسمها ، ولا تقليل أكلافها ــ وإن كان يصح مثل هذا الاعتقاد ـ ولكن ما هو أهم أخطر ، أن طرفاً ثالثاً دخل في المعادلة ؛ فزادت مجاهيلها ، وتعقدت طرق حلها .

عندما ( تشخصن ) الحرب: 

نختم بما نعتقد أنه من الأسباب المهمة في طول زمن الحرب ، واتساع رقعتها ، ألا وهو شخصنة الحرب ، بحيث يرى صاحب القرار فيها أنها أمرٌ شخصي ، يرتبط بها مستقبله السياسي ، أو موقع الاجتماعي والاقتصادي ، فلا يرى أن ما يأخذه من قرارات يتعدى خيره أو شره على باقي أبناء بلده وشعبه ، عندها يُجيّر هذا المسؤول كل ما بين يديه من قدرات ، وما منح له من صلاحيات ، في سبيل بقاء الحرب ، وعدم وقفها ، فهي ( أنبوب ) الأكسجين الذي يستمد منه الحياة ، بل أكثر من ذلك ؛ فإنه يجند كل مطبلي الأرض و ( سحيجتها ) ليطبلوا له ، و (يسحجوا ) لقراراته ( العظيمة ) و ( لرؤيته ) الثاقبة ، وكيف أنه القائد الهمام ، والبطل الذي لا يضام ، وأنه (حيشيل الزير من البير) ، فتمتد الحرب ، ويطول زمن المعارك ، ويدخل الموقف في أزمة واستعصاء ، ويا رب فرجك ، فليس لها من دون الله كاشفة .

كانت هذه بعض مفاتح فهم استعصاء المعارك والحروب ، ودخول الدول والشعوب في نفق الحروب المظلمة التي لا يُرى ضوء في آخره ، ولا منتهً لمبدئه.

 

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي