مقالات

المقاومة في الضفة الغربية …إجراءات للحد من فاعلية الاقتحامات

 

يسترعي انتباه المراقب عن بعد لما يدور في الضفة الغربية  وما تتعرض له من اقتحامات شبه يومية ، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن يقوم العدو أو قطعان مستوطنيه بالتعرض لأهلنا ، واعتقال المقاومين أو استهدافهم بمختلف الطرق ووسائل العمل ووسائطه ، يسترعي الانتباه الصورة النمطية لسلوك العدو في هذه العمليات والاقتحامات ، حيث تتم بشكل يومي وبصور متكررة ، يشابه يومها الحالي أمسها الفائت ، لذلك فإن منطق الأشياء يستدعي توقع عدم نجاح العدو ، أو فشل تحقيق أهدافه من هذه الإجراءات ، على اعتبار أن التكرار يعني معرفة السلوك ، ومن ثم التنبه له ، والقيام بما يمكن أن يحد من آثاره أو يبطله. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الجغرافيا والطبوغرافيا ؛ تفرض على العدو نوعاً محدداً من السلوك ، كما تفرض عليه استخدام نوعاً محدداً من الوسائط والقدرات القتالية ، وحيث أننا أبناء الأرض وملحها ؛ فهذا يعني أننا قادرون على أن نفرض على العدو سلوكاً معيناً ، كما نستطيع أن (نجبره ) على استخدام نوع محدد من الأدوات ، أو منعه من حرية الاختيار من بين ما يملك من قدرات . هذه الجدلية ـ التكرار كمُعلم ـ مبنية على أن تكرار إجراءات العدو تفيد في :

  1. معرفة السلوك التعبوي والأمني للعدو :

حيث يساعد تكرار العدو لسلوكه في معرفة طرق عمله ، وإجراءاته التعبوية والأمنية ، كيف ينطلق من نقاط تجمعه ؟ وأي طرق يسلك أو سيسلك ؟ أين يقف للتنسيق بين قواته ؟ كيف يُحاصِر؟ وكيف يقتحم ؟ كيف يرصد منطقة العمليات ويسيطر عليها ؟ كلها إجراءات يمكن من خلال دراسة سلوك العدو المتكرر معرفتها ، ومن ثم العمل على إبطالها أو على الأقل الحد من كفاءتها وفاعليها.

  1. معرفة كفاءة وخصائص القدرات :

كما يساعدنا تكرار العدو لسلوكه وإجراءاته على التعرف على كفاءة وخصائص ما يستخدم من قدرات بشرية أو مادية . إن الاستخدام المتكرر ، والتعرض الشبه دائم للعدو علينا وبنفس قواته ، يمكننا من معرفة نقاط قوته فلا نصطدم بها ، ونقاط ضعفه فنستهدفه منها . إن كثرة الاحتكاك بهذه القدرات يفقدها هيبتها ، ويذهب من القلب الخوف منها ، بشرط ؛ النظر لها بعين فاحصة  مدققة  دراسة  محللة  لكل شاردة وواردة ، فَنُكون بذلك ملفات معلومات عن كل نوع من هذه القدرات ، ليصبح العدو مع الأيام ككتاب مفتوح نقرأ منه ، ولا نفاجأ ونحن نتصفح صفحاته .

  1. معرفة مقدمات الأفعال والإجراءات :

كما يُمكننا تكرار العدو لسلوكه من معرفة مقدمات الأفعال والإجراءات ، بحيث يصبح لدينا ما يعرف بالإنذار المبكر على الأخطار ، فبمجر أن يحشد العدو قواته في المكان الفلاني ، أو المغتصبة الفلانية ، وفي اللحظة التي يتم فيها فتح بوابة أو إغلاق أخرى ، أو سماع صوت مسيرة أو هدير (زنانة ) ، بمجر مشاهدة أو سماع أي من هذه المؤشرات ، فإننا نستطيع توقع سلوك العدو ، وجهة التهديد ، وهذا أمرٌ مطلوب بذاته  ولذاته .

هذا فيما يمكن أن يُستنبط من تكرار العدو لسلوكه وإجراءاته ، أو ما يمكن أن يقدمه لنا هذا التكرار من فوائد ومعلومات ومعطيات ، تساعد في وضع الخطط والإجراءات المضادة  التي تحد من شراسة فعل العدو ، وتمنعه من تحقيق أهدافه التعبوية أو الأمنية . وهنا تبرز عناصر مرجحة،  ونقاط قوة تساعدنا في توقع سلوك العدو ، ومن ثم التربص له ، ومفاجأته حيث كان يريد مفاجئتنا، ومن أهم هذه النقاط:

  1. معرفة الأهداف المستهدفة من قبل العدو :

نحن في مدننا ومخيماتنا أكثر الناس معرفة بما يريد العدو من تعرضه أو اقتحامه المتكرر لهذه المناطق ؛ كيف لا ونحن أكثر الناس معرفة بما تخبئه وتخفيه هذه المدن والمخيمات من أصول بشرية ومادية خاصة بالمقاومة ، فعندما يتقدم العدو نحو مخيم معين ، أو مدنية بعينها ، نعرف أن  فيها المقاوم ـ فرد أو مجموعة ـ الفلاني ، أو أن فيها المركز أو البناية أو المجمع الذي يشكل هدفاً دسماً للعدو ، وتعني مجر هذه المعرفة ؛ توقع السلوك والإجراء ، ومن ثم إتاحة الفرصة للعمل على إبطاله ، والحد من كفاءته ، ومنع تحقيق الهدف منه .

  1. معرفة بيئة العمل ومنطقة العمليات :

ومن نقاط قوتنا التي تساعد على كبح جماح العدو و( خصي ) قدراته وإجراءاته ؛ معرفتنا ببيئة عملنا ، فنحن أبناء المخيمات ، وشباب المدن الذين ولدنا وترعرعنا فيها ، ولم نترك شارعاً أو وادياً أو زقاقاً (يعتب) علينا ، وهذه بيئات عمل تفرض بجغرافيتها وطوبوغرافيتها وديمغرافيتها على العدو نوعاً محدداً من السلوك والفعل ، وعليه نستطيع أن نسبقه بخطوة ، ونأتيه من حيث لا يحتسب . ولكن هذا الأمر بحاجة إلى تحضير وتدبير ، وحسن قراءة وفهم لكل مفردة من مفردات هذه البيئات .

  1. إمكانية التحضير المسبق لمواجهة العدو ، شكلا ومضموناً وجغرافيا :

وحينما نعرف الأهداف ـ بشرية أو مادية ـ التي ينوي العدو مهاجمتها أو التعرض عليها ، وعندما نعرف بيئة العمل وخصائص منطقة العمليات ، فإننا لا شك قادرون على القيام بالإجراءات والتحضيرات المسبقة التي تحيل العدو من صيّاد إلى فريسة ، ومن مُطارِد إلى مُطارَد ، فنجره إلى بقع قتله ، ومربعات الموت المعدة مسبقاً .

         هذه بعض نقاط القوة التي نتقدم فيها على هذا العدو الصائل الذي يفسد هو ومستوطنيه الدين والدنيا ، وحتى تتحول هذه نقاط القوة هذه إلى واقع مُعاش ، وإجراءات تنفيذية تكسر شوكة عدونا ، وتثلم سيفه ، وتدق رأس حربته ؛ لا بد من توفر إجراءات إدارية وميدانية ، من أهمها :

  1. مراجعة العمليات السابقة :

أن أول هذه الإجراءات هو مراجعة عمليات العدو السابقة ، ودراسة سلوكه ، ومعرفة جميع أشكال رد فعله على أفعالنا ، فنستخلص من هذه الدراسة دروساً وعبراً ، نعدل من خلالها سلوكنا المستقبلي . كما أن الدراسة والتحليل لا يجب أن تقتصر على فعل العدو فقط ، بل يجب أن تشمل فعلنا نحن المقاومين ، أين أخطأنا وأين أصبنا ؟ إن هذا الإجراء يجب أن يلي كل عملية أو احتكاك مع العدو أو تصدٍ له ، كما يجب أن يتحول هذا الأمر ـ المراجعة والتقييم ثم التقويم ـ إلى أمر يومي لا يجب التغاضي عنه ، أو تجاوزه ، أو التهاون فيه ، فإن فعلنا ؛ ستجدنا نتعلم بعد كل عملية ، ونتحسن بعد كل اشتباك أو احتكاك ، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على شكل الفعل ونتائجه ، وعند التقييم للتقويم ؛ لا يجب أن نتهيب من الأسئلة الصعبة ، بل يجب أن نسأل الأسئلة الصعبة والحرجة ، ونبحث عن الرأي المخالف ، يجب أن نشكل الفرق الحمراء التي تُعنى بنقد السلوك والإجراء والعمل ، بحثاً عن تحسينه وتقويته .

  1. حصر القدرات والإمكانات:

الإجراء الذي يلي مراجعة الماضي لاستخلاص دورس للمستقبل هو : حصر القدرات ، فالحروب والصراعات والاحتكاكات والاشتباكات لا تخاض بالرغائب والأمنيات ، وإنما بما نملك من قدرات وإمكانات ـ بشرية ومادية ـ وقد أمرنا بإعداد ما استطعنا من قوة لمواجهة الأعداء ، فهذا الحصر والاحصاء من الواجبات التي لا تتم الواجبات إلّا بها ، فكيف نقاتل عدواً لا نعرف ما يمكن أن نحشد من قدرات وإمكانات في الحاضر أو المستقبل لمواجهته ؟

  1. تحديد الإستراتيجيات:

وهذا من أهم الإجراءات ، فهي ـ الإستراتيجية ـ  التي تضبط المسارات والاتجاهات ، وهي التي تقول ما هو شكل الهياكل والإجراءات ، وهي التي تحدد ما هو قوام القوات وصنوف التجهيزات ، وهي التي في الأول والآخر التي تفرض نمطاً للعمليات والمواجهات ، وفي هذا تفصيل تعجز عنه سطور هذه الورقة القصيرات .

  1. تقسم مناطق العمليات بين مختلف الفصائل والجهات :

 ومن الإجراءات التي تساعد على الحد من فاعلية اقتحامات العدو ، وما يقوم به من إجراءات ؛ تقسم مناطق العمليات إلى بقع ومربعات ، وإسناد هذه المناطق إلى مختلف القوى العاملة فيها ، فكما قيل : (الحمل إذا توزع بنشال ) ، وهذا التوزيع يجب أن يراعي  ما هو مملوك من قدرات وإمكانات من قبل مختلف الفصائل والجهات ، ومثل هذا التوزيع يساعد في مراكمة الخبرات ، ورفع كفاءة المناورات ، كون الجهة الماسكة للمكان أو المربع أو الشارع ؛ تحفظه عن ظهر قلب ، وتعرفه معركة كف اليد ، فتسهل في المكان حركتها ، وتزداد كفاءة مواجهتها ومناورتها .

  1. الإنذار المبكر والمعلومات :

هذا أمرٌ تحدثنا عنه مطولاً في مقالات وأوراق سابقة ، فالمعلومات عصب القوات ، والإنذار المبكر رأس إجراءات إبطال أعمال العدو ومناوراته ، وهي من السهولة بمكان بحيث نقدر عليه في كل حين وأوان ؛ فلا يكاد يخرج العدو من مغتصبة أو معسكر أو بوابة إلّا والعشرات من أهلنا وناسنا المنتشرين في الحقول والشوارع يرونه ويشاهدونه ، ونقل الخبر والمعلومة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي من أسلس الأمور وأسهلها ، فلتستثمر هذه الوسائل في خدمة المقاومين والمجاهدين والمرابطين .

  1. تجنب الاستفزاز :

يجب علينا التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خداعي في إجراءات العدو ، فلا نُستفز أو نشخص إلى مَقاتِلنا لمجرد تحرك العدو أو دخوله إلى مربع من مربعات العمل ، يجب أن لا نخوض معركة لا نريد خوضها ، علينا أن نملك من بروده الأعصاب والهدوء ما يمكننا معه من رؤية العدو يدخل الحي ويخرج منه دون التعرض له ، ما لم نكن نريد نحن التعرض له ، أو الحاق أذى حقيقي فيه ، إن العمل في ظروف غير مسيطر عليها ، وتحت الضغط ، يعني الكثير من الأخطاء ، والكثير من الهفوات ، وخسارة ميزة التفكير المنظم المطلوب لحل المشاكل وإدارة الأزمات .

  1. تشتيت مراكز الثقل البشرية والمادية :

ومما يساعد على الحد من كفاءة عمليات اقتحام العدو وهجوماته ، وما يحرمه من تحقيق أهدافه ، تشتيت مراكز ثقلنا البشرية والمادية ، وعدم حشرها في مكان واحد ، الأمر الذي يدفع العدو إلى تشتيت قواته ، أو زيادة تعبئة قدراته ، وهذين أمرين مطلوبين لذاتهما ، ففي الأول ـ التشتيت ـ يعني خفض كفاءة القدرات ، وفي الثانية ـ زيادة التعبئة ـ يعني ثقل الجسم وإفقاده ميزة المرونة وخفة الحركة ، ومن ثم القدرة على الحاق خسائر ذات مغزى فيه .

كانت هذه بعض الأفكار التي نعتقد أنها يمكن أن تساعد في الحد من شراسة عمليات الاقتحام العدو المتكرر لمدننا وقرانا ، وتزيد من كفاءة مجاميع المقاومة ، وحُسن تشغيلها لقدراتها . والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

عبد الله أمين

31 03 2024

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي