مقالات

خمسة دروس إستراتيجية من تصدي العدو للصواريخ الإيرانية

توطئة :

ينشغل العالم بعد كل حدث أو موقف سياسي أو عسكري في متابعة تفاصيل هذا الحدث ، ومحاولة قراءة خلفياته والأسباب التي تقف خلف تفجره أو تطوره ، ولما كُنّا نعيش في عالم ثورة المعلومات ، وعوالم التواصل الاجتماعي التي تُغرقنا وتُغرق ما نستخدمه من وسائط الكترونية للاتصال أو المتابعة بسيول جارفة من نتف الأخبار ، ومقاطع الفيديو التي تدع الحليم حيران بما تبثه أو توصله من الشيء ونقيضه ؛ فهذا مؤيد ، وذاك مخالف ، والكاتب الفلاني يُعرّف على أنه خبير عسكري ، وآخر يوصف بانه خيبرٌ استراتيجي ، بحيث يُخلف المشاهد أو القارئ أو المتابع في خضم سيل عرمرم من الأخبار ، وتحت قصف عشوائي من مقاطع الفيديو ، وفي المحصلة ، النتيجة صفر ، فلا فُهم الموقف ، ولا عُرفت خلفياته ، ولا ما يمكن أن يُستنتج منه من عِبر ودروس للمستقبل ، وترتفع سحب الخلافات والمشاحنات و ( الهوش ) في مواقع التواصل الاجتماعي ، و ( تيتي تيتي مثل ما رحتي  ؛ جيتي ) ؛ صفر معرفة ، صفر فهم ، صفر تحليل ، صفر نتائج ودروس ، ومن ثم تكرار للأخطاء في المستقبل . وهنا نفتح قوسين لنقول أن ضباط المعلومات في السابق ، عندما كانوا يَجوبون الأرض طولاً وعرضا ً بحثاً عن مصادر ليجندوها ، أو ثغرات لينفذوا منها إلى الاجسام والهياكل والأطر ـ  المادية  أو البشرية ـ  كان احتياجهم المعلوماتي المطلوب تحصيله ، واضح جلي معروف لا يحتاج إلى كبير عناء في تحديده ، وإن كان يحتاج إلى مزيد عمل ومثابرة وجهد لتأمينه ، أمام اليوم وفي خضم ما قلناه من ثورة معلومات ، وعوالم تواصل اجتماعي ؛ فقد أصبحت المعلومات ( على قفا مين يشيل ) وأصبح هم ضباط المعلومات ، وأركان الاستخبارات ، ليس ما يريدون جمعه مما بين أيديهم من هذا الدفق الهائل من الأخبار والصور ، إنما بات ينصب جهدهم على حذف ما لا يريدونه ، وما يغطي الصورة من ضباب ، وما يشوبها من شوائب ، فأصبح توجيههم لأركان عملهم ، ومصادر معلوماتهم  ، ليس تحديد ومعرفة ما نريد من معلومات فقط ، وإنما بات الأشد أهمية هو تحديد ومعرفة ما لا نريد من هذا (السيل) الغمر الشديد ، وفي حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2002 خير دليل على أهمية معرفة ما لا نريد ، فلم تنقص أجهزة معلومات العدو الأمريكي في حينه المعلومات ، ولا المؤشرات والقرائن ، وإنما كان يعوزهم ، وباعترافهم معرفة ما لا يريدونه من الكم الهائل المتاح على طاولة ضباط التقدير والتحليل .

وحتى لا نغرق كما غرق غيرنا في الجزئيات ، وما قيل ويقال عن القصف الإيراني للكيان المؤقت ، وما تبعه من رد معادي على أصفهان إيران ، أسماه بعض أصحاب الرأي عند العدو بأنه هزيل أو ( مسخرة ) ، فإننا ننصح المراقبين والمتابعين أن لا ينشغلوا في متابعة و( لَم ّ) جزئيات المواقف السياسية أو التعبوية ، لمحاولة فهم الخلفيات ، وما ينتج عنها في المستقبل من إجراءات ، وإن ما ننصح به هو ملاحقة الاتجاهات الكلية والإستراتيجية لهذه المواقف ، ففهمها يوفر الجهود ، ويوصل إلى المقصود . ومن هنا جاءت هذه الورقة لا لتلاحق الجزئيات ، ولا لتحصي النتائج والإجراءات ، وإنما تأتي في سياق استخلاص بعض أهم الدروس الإستراتيجية من تصدي العدو (الأمريصهيوني ) للصواريخ والمسيرات التي صُبت على فلسطين المحتلة انطلاقاً من الجمهورية الإسلامية الإيرانية كرد على استهداف العدو لقنصليهم في سوريا .

الدروس الإستراتيجية :

لن نطيل في سرد الدروس ، والعبر المستفادة من فعل العدو الذي استطاع أن يجند فيه كثيراً من الطاقات العضوية الذاتية وغير العضوية المُستجلبة ، بحيث استطاع وفق زعمه أن يحبط 99 % من الضربة الإيرانية !! ووفق بعض الدراسات والتحاليل المتوازنة فإن ما بين 25 % ـ 30 % من المقذوفات التي أطلقت من إيران وصلت مقاصدها ؛ بغض النظر عن الأثر الذي تركته ، الأمر ـ أثر الضربة ـ  بحاجة لمتابعة مع الأيام لنرى ما سيرشح من معلومات عنه وحوله . أما عن  الدروس والعبر المستفادة فهي كثيرة ، نختصر البحث في أهمها ، وهي خمسة :

  1. تعريف العدو ومعرفته :

إن الدرس الأول الذي يمكن استنباطه من السلوك المعادي ، وما قام به من إجراءات بذاته ، هو تعريف العدو ومعرفته ، فقد عَرّف الكيان الصهيوني المؤقت ، إيران على أنها هي العدو المركزي له في منطقة غرب آسيا ، وعليه فقد بنى منظومات دفاعه الذاتية بما يناسب التصدي لهذا العدو وما ينتج عنه من مخاطر وتهديدات  ، وهو ـ العدو الإيراني ـ الذي لم يحتك به بشكل مباشر في عمل عسكري منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية ، وبقي مشتبكاً معه في ساحات ثانوية ، يتصارع معه على أرضها ، ويصفون حساباتهم عبرها أو فيها ؛ من كردستان العراق ، مروراً بسوريا ، فلبنان ، فضلاً عن ساحات الفعل الأمني الممتدة في شرق الأرض وغربها ، ولكن هذا لم يثنِ العدو الإسرائيلي عن بذل الجهد وتخصيص القدرات ، ليوم سيشتبك فيه مع عدوه هذا بشكل مباشر ، فكان ما كان من منظومات قتالية ، وطبقات دفاعية ، تشمل : درع الضوء ، والقبة الحديدية ، ومقلاع داوود ، وسهم (1) و (2) و (3) ، وما تغطيه هذه الوسائط من طبقات جوية وأرضية ، وما تصله من مسافات جغرافية . إذاً فالدرس الإستراتيجي الأول هو : تعريف العدو ومعرفته .

  1. تعريف الحليف ومعرفته :

الدرس الثاني هو تعريف الحليف ومعرفته ، فما كل صديق يمكن أن تتقاسم معه يوم الضيق الرغيف ، وهنا لا بد من التدقيق والتحقيق ، قبل إطلاق الصفات ، وقول الشعر والعراضات في جهات نحسب أنها ستهب للنجدة عن ( الندهات ) والاستغاثات ، فالحليف في أبسط تعاريفه هو : شخصية حقيقية أو حقوقية ، قادرة على تفهم موقفك ، وإسناد إجراءاتك ، ويسمح بمشاركتك قدراته وموارده ، إنه جهة تهب للنجدة ابتداء ، ثم تسأل عن سبب ( الطوشة ) انتهاء ، ومثل هذا التوصيف دونه مسارات عمل طويلة ، ونقاشات وتوحيد أفهام كثيرة ، وأرضيات مشتركة تبنى وترصف يوماً بعد يوم ، ولا يعطى هذا التوصيف ـ الحليف ـ لأمور ظرفية جمعت طرفين ، أو مواقف عاطفية عابرة ، ولا يطلق بناء على علاقات شخصية بين شخصين ، فالأحلاف وإن كانت تبنى بجهود أشخاص ومثابرتهم ، إلّا أنها تستقر وتقوى بمشتركات اتفق عليها ، ومبادئ وقيم انطُلق منها ، وحذار ثم حذار الخلط بين العلاقات الشخصية والعلاقات السياسية ؛ فالأشخاص زائلون وماضون ، أما المبادئ والقيم والمصالح المشتركة فهي باقية ، وهي ما تبني التحالفات ، وتديم العلاقات . إذاً فالدرس الإستراتيجي الثاني هو : تعريف الحليف ومعرفته .

  1. تعريف الصديق ومعرفته :

أما الدرس الثالث فهو تعريف الصديق ، ورفيق الدرب ؛ قدراته ، واستطاعته ، وأولوياته التي يقدمها على أولويات غيره ، فلا يُحمّل ما لا يطيق ، ولا يبنى عليه انتهاءً ما لم يتفق معه عليه إبتداءً ، فالصديق قد تدوم صداقته لدوام الظرف الذي فرضها ؛ فهذا صديق سفر ، وذاك صديق نادي رياضي ، أما هذا فصديق حي ، فإن لم تطور هذه الصداقة لتصل إلى مستوى الحلف والتحالف ؛ فإن المراهنة عليها وقت الشدة ؛ لا يستقيم عقلاً ولا عرفاً ، فما كل صديق مستعد أن يمضي معك حتى آخر شوطك ؛ فله اهتماماته ، وعنده أولوياته ، لذلك فإن تدقيق بسيط في عملية تصدي العدو (الأمريصهيوني )  للضربة الإيرانية كفيل بأن يطلعنا على من هم حلفاء هذا العدو ومن هم أصدقاؤه في العالم كعالم ، وفي غرب آسيا كجغرافيا . إذاً فالدرس الثالث هو : تعريف الصديق ومعرفته .

  1. مراكمة القدرات :

وفيما يخص الدرس الإستراتيجي الرابع ، بعد تعريف العدو والحليف والصديق ومعرفتهم ؛ يأتي درس مراكمة القدرات ؛ الذاتية والعضوية أولاً ، ثم ما يمكن أن يُستجلب أو يُستدعى من الحلفاء والأصدقاء ثانياً ، فأنت لا تبني خططك وتقديراتك على فرض أنه سيصلك مددٌ من جهة ما ابتداء ، وإنما تُبنى الخطط والتقديرات بناء على ما لديك من إمكانات وقدرات ، ثم تضيف ما يمكن أن تحصل عليه من صديق هنا أو حليف هناك ، وهنا يحضر ما يعرف عند أهل الاختصاص بـ “مسار بناء القوات ” وهو المسار الذي يُحدد عبر تعريف العدو والتهديد ، وما ينتج عنهما من مخاطر ، فتوضع الخطط والإجراءات ، للسير في هذا المسار إلى أن يتم الوصول إلى ما يمكن أن يتم من خلاله مواجهة الأعداء ورد الاعتداء . وفي هذا المجال تفصيل كثير ، أهم ما فيه ؛ أن عدوك يلجأ إلى عمليات الاستفزاز لمعرفة المستوى الذي وصلته ، والمسافة التي قطعتها في هذا المسار ، فيعمد إلى جز ( عشبك ) ، أو اجتراح ما (يخصي ) قدراتك . إذاً فالدرس الإستراتيجي الرابع هو : مراكمة القدرات ، وعدم الاستجابة للاستفزازات .

  1. تقاسم المسؤوليات :

نختم بالدرس الخامس من دروس هذه المواجهة المحدودة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، والعدو ( الأمريصهيوني ) ألا وهو درس تقاسم المسؤوليات ، وتوزيع الأدوار ، فقد عرف هذا العدو حلفاءه وأصدقاءه في العالم وفي منطقة غرب آسيا وعَرّفهم ، وعلم قدراتهم ، ووثق  بإجراءاتهم ، فسلمهم جزءاً من مهمة الدفاع عنه ، وهو الذي في صلب استراتيجيته الدفاعية أن لا يُسلم رقبته لأقرب حلفائه ، فما الذي  استجد عنده ليرضى بتقاسم الدفاع عنه مع غيره ؟ إنه ما بدأنا به هذه الدروس : تعريفاً للعدو ( إيران ) ومعرفته ، ومن ثم تصويره على أنه عدو للحليف والصديق ، يجتمعون على عدائه ، فتشاركوا في التصدي له ، ثم معرفة الذات وما فيها من نواقص وعورات ، وما يلزمها للتصدي للتهديد من قدرات ، وما يمكن أن تغطيه من مساحات وبيئات وطبقات ، فأخذ ـ العدو ـ  على عاتقه ما يمكن من هذه المسؤوليات ، ثم رَكَنَ واطمأن لما يمكن أن يقدمه الشركاء ، مطمئنا أنهم لن يخذلوه ويتركوه عند أول منعطف ؛ فتقاسم معهم المسؤوليات ، وهو الدرس الإستراتيجي الخامس من دروس هذه المواجهة .

كانت هذه بعض الدروس المستفادة من مواجهة العدو( الأمريصهيوني ) للقصف الإيراني ، فمن أراد إضافة قوةٍ إلى قوته ، وعزمٍ إلى عزمه ؛ فليُعرّف نفسه ابتداء ويعرفها ، ثم ليُشخّص عدوه الذي سيشخصُ له ، وليرى من يرافقه إلى آخر الشوط في مواجهته لهذا العدو ؛ فليحالفه ، ومَن قدراته لا تعينه على تحقيق رغباته فليصادقه ، ثم ليبني نفسه ، وليُعدّ عدته ، وليثق بنصر ربه ، قبل هذا كله ، ومعه وبعده  . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

عبد الله أمين

20 04 2024

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي