مقالات

عشرة دروس تعبوية للإعلان عن موعد الضربات الإنتقامية

أولاً : قاعدة البحث :

تعد المفاجأة أصلاً من أصول العمل العسكري الذي تتبناه جميع جيوش العالم ؛ فهي قد تكون مفتاحاً للنصر ، أو سبباً في الهزيمة ، وهي التي تحدد مسار تطور المواقف القتالية . ومن يتمكن من مفاجأة عدوه ، أو ضبطه في موقف قتالي غير مساعد ؛ فإنه يصيبه بضرر غير قابل للجبران ؛ أو على أقل تقدير ؛ يدخله في حالة من عدم التوازن ، وعدم القدرة على ممارسة التفكير المنظم المطلوب للتعامل مع الأزمات . ويخطئ البعض في تعريف المفاجأة ؛ فيظن أنها تقتصر على ضرب العدو بشكل لحظي أو آني بحيث لا يستطيع القيام بأي رد فعل مقابل الضربة التي وجهة له ، وهذا الفهم وإن كان صحيحاً في وجه من الوجوه ؛ إلّا أن الأكمل منه والأصح مفهوماً في التعريف و التوصيف هو : أن المفاجأة هي وضع الخصم أو العدو في موقف قتالي بحيث لا يملك من الوقت ما يسعفه من حشد قدراته للقيام برد فعل على فعل بدى له ـ للخصم أو العدو ـ  أنه على وشك الوقوع ؛ فحرب رمضان عام 1973 قيل أن العدو الصهيوني علم أنها واقعة لا محالة قبل انطلاق رصاصاتها الأولى بما لا يقل عن الست ساعات ـ وفق أغلب المراجع التي أرّخت لهذه الحرب ـ ولكن هذه الساعات الست لم تكن لتسعف العدو للقيام بأي تحرك ذو بال يؤثر على مجريات الحرب التي بدأت نذرها تلوح في الأفق . والمفاجأة ؛ مفاجآت ، فقد تكون على المستوى التكتيكي ؛ فتغير مجرى معركة هنا ، أو اشتباك هناك ، وقد تكون على المستوى العملياتي ، فتترك أثرها على الاتجاه عام للعمليات أو على فكرة مناورة أعدت من مسبقاً ، وقد تكون على المستوى الإستراتيجي ؛ فتغير مسار الحرب كلها ، وتقلبها رأساً على عقب ـ ثغرة الدفرسوار ومحاصرة الجيش الميداني المصري الثالث ـ . وهنا لابد من التذكير بأن التوقيت في سياق الحرب يعد نصفها ـ نصف الحرب ـ ، والمفاجأة نصف التوقيت ، أما النصف الثاني للتوقيت فهو التقاط لحظة التراجع الاستراتيجي للعدو ، وفي هذا تفصيل كثير ، معرفته والعمل بمقتضاه ؛ تحقن دماءً ، وتقلل من الخسائر ، وتختصر المُدد والأزمان . وحيث أن الهدف من هذه الورقة ليس الخوض في مفهوم المفاجأة ومقتضياتها وما ينبني عليها وينتج عنها ؛ فإننا نكتفي بهذا القدر من الحديث المفاهيمي ، والشرح التأصيلي لنقول أن الهدف من هذه الورقة هو : شرح خلفيات إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن أنها مصممة على الرد ـ الأمر الذي حصل فعلاً ـ  على استهداف قنصليتها في دمشق ، بل وإعلام أطراف ودول في المنطقة أنها عازمة على الضرب ، وعليه ؛ ليؤخذ كلٌ ما يناسبه من تدابير واحتياطات ، حتى أن البعض ذهب في التحليل غير الرصين للقول  أن ما تم بعد ذلك من ضرب للعدو ، وإمطاره بوابل من المسيرات والصواريخ ؛ إنما هو ( مسرحة ) رديئة الإعداد والإخراج !! وهنا يأتي دور هذه الورقة لتشرح المعاني التعبوية خلف إعلان أي طرف عن تصميمه على الانتقام من طرف اعتدى عليه ، وأن العقاب قادم لا محالة ، فيشرع الطرف المُهدد بالضرب بأخذ إجراءاته الدفاعية ، وترتيب أدواته القتالية ، لتقليل الخسائر الممكن أن تلحق به بحيث تصل إلى أدنى مستوً ممكن ومُتَحّمل . وشرحاً لهذا الهدف ؛ سنستعرض عشرة دروس يمكن استخلاصها من مثل هذا الموقف ، وهذا الوعيد والإنذار ، ليُفهم مُعمى تنبيه العدو قبل ضربه ، وإنذاره قبل قصفه .

ثانياً : العشرية التعبوية :

  1. امتلاك جرأة أخذ القرار :

إن أول درس من هذه الدروس العشرة هو : الجرأة ، جرأة أخذ قرار مهاجمة عدو تعرف أنه قادر على الرد على ضربتك ، وأن لديه من الأنصار والأعوان ما يمكن أن يجيشهم ضدك ، وأن يحشدهم في مواجهتك ؛ ومع ذلك ، تُقدم على أخذ قرار التصدي له ، على قاعدة أن السكوت يغري بالتمادي ، وأن الصبر وضبط النفس سيفسر على أنه ضعف ، فتطبق مقولة الإمام علي كرم الله وجهه : ” إذا هِبتَ شيءً فقحمه ، أو فقع عليه ” ، إنها جرأ أخذ قرار ضد كيان مؤقت ، ليس فقط يمتلك قدرات نووية بذاته ، وإنما يتمتع بغطاء نووي دولي ، فمن هب لنجدته ـ أمريكا ، بريطانيا ، فرنسا ـ كلها دول نووية ، ومن شارك في التصدي من دول أخرى ؛ يعرف أنه ( يتلطى ) بهذه الدول ، ويحتمي بحماها ، وأنها لن تنسى له معروفه ، فـ ( شد ركبه ) و(شَربَ حليب سباع) ، وقام بما قام به خدمة لأولياء النعمة ، خوفاً على نفسه من النقمة  !

  1. امتلاك إرادة التنفيذ :

أما الدرس الثاني فهو : امتلاك إرادة التنفيذ ، وإخراج القرار إلى حيز الفعل ، فكم هي كثيرة الدول والكيانات التي تأخذ قرارات ، وتصادق على مقررات ، ثم تتركها ليعتليها غبار النسيان ، وتطوي في أدراج المكاتب ، وتضيع في مسارات البيروقراطيات المكتبية ، لكن إعلان القرار على الملأ  فيعني إلزام الذات بالتنفيذ ، وإلا كان يمكن أن يقال : “اجتمع الإطار الحكومي الفلاني ، وأخذ المناسب من القرارات” ويا ( دار ما دخلك شر ) ، فالأمر متعلق بالأمن القومي ، ويمكن ( التلطي ) بمقتضيات الأمن والسرية ، كمبرر لعدم الإعلان ، لكن أن يتم تجاوز كل هذه المبررات ؛ فهذا يعني إرادة للتنفيذ ، وتصميم على الإجراء .

  1. امتلاك القدرات للضرب ابتداءً :

وفي عالم الأمن والمصالح وحفظها ؛ لا تسعف النوايا ولا الإرادات ، إن لم يكن لها سندٌ معتبرٌ من القدرات ، فكم متمنٍ لا يدرك أمانيه لقصر ذات يده ، ولا يُعلن أحدٌ على رؤوس الأشهاد أنه ناوٍ على ضرب من اعتدى عليه  ، والقصاص ممن تجاوز خطوطه الحمر التي رسمها ، إلّا وهو مالك لأدوات الفعل ، وإلّا كان حديثه ووعيده (خراريف حصيدة ) لا يؤبه لها ولا ( يُكيل بصاعها ) ، ولا تساوي الحبر الذي كتبت به ، ولا الوسيلة التي أعلن عبرها أو من خلالها ، فأن تقول أنك ستفعل ؛ يعني أن لديك الجرأة، والإرادة ، وأداة الفعل .

  1. الثقة بالقدرات والأدوات :

ولا يكفي امتلاك جرأة القرار،  وإرادة التنفيذ ، وأدوات الفعل ، لا تكفي كلها ليمتلك المُهدد شهامة الخروج على رؤوس الأشهاد ليقول أنه مُصبحٌ للقوم أو مُمسّيهم ؛ بل لا بد مع كل هذا من توفر ثقة بما لديه من أدوات ، وما يمكن أن يشغله من قدرات ، ثقة بأنها ـ القدرات والأدوات ـ  قادرة على معاقبة العدو ، وتأديب المتجاوز ، والثقة بالقدرات مسار طويل لا يأتي بين ليلة وضحها فـ ( العليق يوم الغارة ما بنفع ) ، إنه طريق ترسمه رؤية واضحة ، وتسنده مصادر قدرة موثوق بها ، وقرار يعرف كيف ترتب الأوليات ، وتخصص القدرات ، وهنا حديث يطول ، وتفاصيل تتعدد ، ولكن الوقت والمساحة لا تسعف .

  1. وضع القدرات في المختبر الحقيقي لإثبات الجدارات :

وهنا تدخل العروض الورقية ، والإيجازات ( البوربوينتية ) ، فهذا يقدم شرحاً ، وذاك يقدم موجزاً ، عما لديه وما أعد ، والقائد لا يسعه الإحاطة بالتفاصيل ، ولا فهم كثير من المجاهيل ، فكل ميسر لما خلق له ، فإن كان القائد يعمل وفق متطلبات العمل المؤسسي ، فإن لديه من أدوات الفحص والتحقق من يمكنه من تميز الغث من السمين ، ومن أهمها ـ أدوات الفحص ـ إخضاع ما يُفصح عنه أمامه ـ أمام القائد ـ من قدرات وإمكانيات لمختبر إثبات الذات والجدارات ، وهنا يُفهم أن أخذ قرار الضرب المعلن ، يعني ضمناً قرار إخضاع كل ما تم الحديث عنه وتوصيفه وتعداد مزاياه الفنية والتشغيلية إلى أهم امتحان ؛ امتحان العمل الحقيقي في ظروف حرب حقيقية ، وعندها ( بتبين القرعة من أم قرون ) .

  1. امتلاك قدرات الرد على الرد :

ولا يُعلن من يُعلن عن نيته ضرب خصمه أو عدوه ، إلّا وهو مُقدرٌ لرد فعل خصمه على فعله ؛ فيحسب حساباته ، ويُعد ما يناسب من قدراته ، للرد على الرد ، وحتى لا يدخل في مسار لا نهاية له ولا أفق ؛ فإنه يُعد للرد على الرد عدته بما يكفل لجم العدو ، ويصرفه عن التفكير مجدداً بالرد على رد الرد ،وما لم يكن المُعلن عن تاريخ انتقامه مطمئناً لقدارته ، واثقاً من إجراءاته ؛ فإنه يكون بضربته الأولى قد افتتح سباقاً ، وبدأ مساراً ، قد لا تكون خواتيمه حسنة ، ولا نهاياته سعيدة .

  1. امتلاك بنك أهداف مؤثر يتضمن ( صناديق ) رد تأديبية ، وأخرى عقابية :

وما لم يكن هناك بنك للأهداف ( دسم ) التفاصيل ، عالي القيمة ، فإن إجراءات التأديب أو العقاب لا قيمة لها ، ولن تفي بغرض ، فليس هناك شيء يُخاف عليه ، ولا أصلٌ بشري أو مادي يخشى على ضياعه ، وهذه الأهداف يجب أن تشمل ما هو للتأديب والتذكير بالخطوط الحمر ، فلا تُتجاوز مجدداً ، ولا يستدعي ضربها ـ الأهداف ـ حروباً طاحنة ، وما هو من صنف الأهداف التي يصلح ضربها كإجراء عقابي على رد العدو ، بحيث تصل رسالة من الضربة الأولى أن هناك ما هو أشد إيلاماً إن لم ترعوي أيها المعتدي ، وأن القادم أعظم ، فحسب حسابك ، ونظر كيف يمكن أن يكون إن تماديت عقابك !

  1. امتلاك سيطرة معلوماتية على مسرح العمليات من المنطلق حتى المنتهى :

كما  لا يمكن تصور أن طرفاً ما يعلن نيته عن ضرب خصمه الذي يبعد عنه آلاف الأميال ، وهو ـ المُعلن ـ غير مسيطر سيطرة معلوماتية  معتبرة على مسرح العمليات ، عارف بأغلب ما فيها ومن فيها ، وأين هي الثغرات التي سينفذ منها للوصول إلى مقصده ، وكم هو حجم الطاقة التي ستصل إلى عدوه لتأدبه ، مقارنة بتلك التي تُولّدت عند بدء العمل ، وهذه محاسبات يتداخل فيها العلم مع الفن ، ليرسما لوحة فنية فيها من الجمال التعبوي ما لا يدركه ولا يفهمه  إلّا كل صحاب فن أو اختصاص ؛ يعرف ماذا يعني أن تُفتح فوهات ما يزيد عن 300 وسيطة نارية ، ملقية بحممها على جغرافيا يختلط فيها عدو مع صديق !

  1. امتلاك قدرات قادرة على كبح ضربات الإحباط المتوقعة :

كما أن الإعلان عن موعد الضربة والانتقام يعني فيما يعني أنك تملك قدرات قادرة على التصدي وكبح أي ضربات استباقية قد توجه لك عندما تعلن عن نيتك ضرب عدوك ، إن مثل هذا الإعلان بدون هذا الشرط إنما هو ضرب من العبث ، وصنفٌ من اللامسوؤلية ، فكيف تُنبه عدوك ، وتوقظ فيه حسد التحفز ، وأنت لا تملك ما تحافظ به على أدوات فعلك ؟ وتؤمن به سِرّية طرق عملك ؟ ومن يفعل مثل ما فعل الإيرانيون في مقابل عدو الأمة وعدوهم ؛ لا يمكن إلا أن يكون مالكاً لما يمكن أن يحافظ به على قدراته وأدواته ، فلا يُصَبّحُ مع عدوه ، يوم كان ينوي هو أن يُمسّيه ، أو العكس .

  1. معرفة العدو الأصيل وأدواته الوكيلة :

نختم هذه العشرية التعبوية بالدرس العاشر منها ، وهو أن من يقدم على إنذار عدوه الأصيل بقرب ضربه أو معاقبته ، يعرف أن هناك أعداء أصلاء ، وعملاء وكلاء ، يمكن أن يؤثر فعلهم وتدخلهم على أصل الهدف من فعله ، فإن هو أغفلهم ؛ أوتيَ من حيث لا يحتسب ، وإن هو أعطاهم ـ الوكلاء ـ  فوق قدرهم ؛ فقد تعجز القدرات  عن النهوض بالمهمات ، لذلك فإن المعرفة الحقيقية للعدو الأصيل ، والأداة الوكيل ، يعني تخصيص صحيح للقدرات ، ومن ثم نجاح في تنفيذ الإجراءات ، وضمانٌ لبلوغ الأهداف والغايات .

كانت هذه عشرة دروس تعبوية  يمكن أن تُستخلص من خلال التدقيق في خلفيات الإعلان المسبق لأحد المتخاصمين أو المتنازعين عن نيتيه توجيه ضربة لعدوه ، فيظن المراقب عن بُعدٍ أن هذا ضربٌ  من العبث ، أو فصلٌ في مسرحية ، ويغيب عنه ـ المراقب غير المنصف ـ ما يعنيه مثل هذا التصريح من ثقة بالذات والقدرات . وهنا لا نوصي أحد بمثل هذا الفعل ـ الإنذار قبل الضرب والعقاب ـ فتأخذه الشهامة و ( حماوة ) الرأس ، فيحاول تكرار فعل غيره ، دون الإعداد كما أعد من هو مُقدم على تقليد فعله ، فتقع ( الفارس في الراس ) ، وعليه أيها المُقلد إن كنت تنوي أن تُقلد فـ ( قيس قبل ما تغيص ) . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

عبد الله أمين

  24 04 2024

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي