تقارير مترجمة

ما هي الهاسبارا؟ أو كيف تبيّض إسرائيل الإبادة الجماعية؟

ماهر الخشن

«هاسبارا هي جبهة حرب مهمّة حيث تتوجّه المعركة نحو الرأي العام وموقف القيادة الدولية للسماح باستمرار القتال ضمن الظروف الصحيحة للقضاء على حماس» – رئيس لجنة هاسبارا في الكنيست الإسرائيلي زئيف إلكين، تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

في كل حرب تخوضها إسرائيل، يظهر مصطلح هاسبارا إلى الواجهة، لا سيما عند الحديث عن الوسائل التي تتبّعها لتحسين صورتها في العالم وتبرير جرائمها. وهاسبارا باللغة العبرية تعني الشرح أو التفسير، أمّا إسرائيل فتستخدمها كتقنية دبلوماسية عامة تربط حرب المعلومات بأهدافها الاستراتيجية من أجل تبرير ما لا يبرّر. كما تعد من الاستراتيجيات المعتمدة من أجل بناء صورتها في الخارج، وهي صورة تواجه انتقادات منذ إنشائها في العام 1948، وأيضاً من أجل تفسير سياساتها، وتقديم تقارير عن الأحداث ونشر معلومات إيجابية عنها لمواجهة أي نقد تتعرّض له. وفي الحرب الحالية، اعتمدت الهاسبارا كسلاح إضافي من أجل الترويج لسرديات مخادعة عن كلّ وجه من أوجه الإبادة التي ترتكبها إسرائيل.

حتى كانون الثاني/ديسمبر الماضي، أي خلال الشهرين الأولين من العدوان الإسرائيلي على غزة، اعتمدت حركة هاسبارا في إسرائيل على 120 غرفة عمل، و40 منظّمة غير حكومية تعمل في تطوير أدوات التكنولوجيا، و100 قاعدة بيانات، وذلك في إطار الجهود الحثيثة لتطوير حملات دعائية ونشر المحتوى بحسب معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بالتعاون مع خريطة هاسبارا الإسرائيلية. ونشطت مبادرات كثيرة في الفترة المذكورة، وأخذت 72 مبادرة منها شكلاً غير ربحي، يعتمد على متطوّعين من بينهم شركات تكنولوجيا واختصاصيين وأكاديميين ومنظمّات كانت منخرطة في نشاط داعم لإسرائيل. وأصبح المتحدّث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي هو المصدر الرئيسي للتقارير المستخدمة في هذه الحملات.

هاسبارا: المصطلح وصياغته

تاريخياً، تعود صياغة المصطلح إلى أحد قادة الحركة الصهيونية الأوائل في بدايات القرن العشرين، وهو ناحوم سوكولوف، صحافي وكاتب بولندي. اعتبر الأخير أن هاسبارا تمثّل شكلاً طبيعياً للحركة الصهيونية لنشرها بين مستشاري أوروبا والخطب العامة، كوسيلة للقادة الصهاينة من أجل «توضيح تطلّعات الشعب اليهودي للسلطات».

وحديثاً، تركّز هاسبارا على نشر معلومات ومحتوى لشريحة واسعة من الجمهور في الإعلام وخصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي، ويتضمّن ذلك تشجيع الناس على نشر عروض تقديمية وتنظيم مظاهرات داعمة لإسرائيل والمشاركة بها. وتلجأ جهود هاسبارا إلى خلق أدوات تقنية واستخدامها. على سبيل المثال، تستعين بشركات التكنولوجيا الفائقة التي تجمع المعلومات الموجودة والمنتشرة وتترجمها وتدير كلّ المحتوى المتعلّق بها.

الهاسبارا إحدى جبهات الحروب الإسرائيليّة

تعد الهاسبارا إحدى جبهات الحروب الإسرائيلية، ويصفها كثيرون بـ«فن الخداع» التي دأبت دولة الاحتلال على اتباعه. يشير بعض الأكاديميين العسكريين الأميركيين إلى أن جزءاً من استراتيجيّة هاسبارا في العدوان الإسرائيليّ على غزّة في العام 2008، هدف إلى تبرير عمليّات الجيش الإسرائيلي حتى يكسب وقتاً إضافياً لضرب أهدافه. لذلك، تضافرت الجهود لتصوير عمليات الجيش بطريقة إيجابيّة بهدف إزالة القلق من نقد المجتمع الدولي ومجلس الأمن لإسرائيل. وفي خلال حرب العام 2012، صمّمت إسرائيل رواية عن نفسها باعتبارها «الضحية البريئة للإرهاب الفلسطيني» في حين كانت تمطر غزّة بوابل من الذخائر، واستخدمت هاسبارا بشكل مكثف قنوات الاتصال الأكثر تعقيداً في وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلت وظائف المتصفح، وخوارزميات محرك البحث، والآليات التي تتحكم في المحتوى المقدم للمشاهدين لإيصال هذه الفكرة. وهو ما تكرّره في كلّ حرب تقريباً لتقليل غضب الرأي العام الخارجي ضدّ إجرامها المستمرّ.

شكّلت الحرب الحالية، المرّة الأولى التي تشتري إسرائيل – بشكل سرّي – نظاماً تكنولوجياً قادراً على القيام بحملات تأثير جماعية عبر الإنترنت، بحسب ما كشفته جريدة «هآرتس» الإسرائيليّة أخيراً، نقلاً عن مصادر مطلّعة على عمل هاسبارا، ويأتي ذلك ردّاً على ما اعتبرته المصادر فشلاً في الديبلوماسية العامة. ومع الإشارة إلى خطورة تطوير أنظمة تكنولوجية تأثيرية، قرّرت إسرائيل شراء نظام موجود مسبقاً، يتضمّن عدداً من الأدوات والبرامج من بينها نظام لرسم خرائط تحدّد الجماهير عبر الإنترنت، ونظام قادر على إنشاء مواقع الويب تلقائياً، بالإضافة إلى محتوى مخصّص لجماهير محدّدة، ونظام مراقبة وسائل التواصل الاجتماعيّ ومنصّات المراسلة.

وفي حين لا تعمل هاسبارا تحت شعار موحّد وتكون معظم أنشطتها غير محدّدة الهوية، إلّا أنّ هذه الحملة منظّمة من قبل جهاز هاسبارا، الذي يضمّ وكالات حكومية ووزارات ومراكز أبحاث ومنظّمات غير حكوميّة وغيرها. يضمّ الجهاز قسماً في مكتب رئاسة الوزراء وقسم الإعلام والدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية ووزارة الديبلوماسية العامة وشؤون المغتربين (سابقاً) والوكالة اليهودية لأجل إسرائيل (وهي جزء من منظّمة الصهيونية العالمية) ووزارة السياحة وقسم المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، ولكلّ منها أدوار تفصيلية مُحددة.

جهود هاسبارا خلال الحرب على غزّة

تنشط هاسبارا في حرب الإبادة الجماعية على غزّة، وتصوّر إسرائيل على أنّها الضحية المستضعفة التي تتعرّض لخطر الإبادة، وليست من يرتكب تلك الإبادة لتطهير الفلسطينيين عرقياً. وبدخول الحرب شهرها الرابع، كثرت الحملات الداعمة لإسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي، وتبرّر جرائمها في غزّة، ومعظم هذه الحملات كانت مدفوعة من قبل جهود هاسبارا في إسرائيل وخارجها. وعادة ما تغيّر سردياتها وتركّز على أخرى حين تلتمس فشلها، فمثلاً، انتقلت من المقارنة بين حماس وداعش، التي استخدمتها لتتناسب مع الجمهور الغربي، إلى التذكير بجرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق وأفغانستان لتبرير جرائم إسرائيل في غزّة، والتي شُبّهت بالفلوجة في العراق، ودفع العالم للقبول بها مثلما حصل مع الجرائم الأميركية.

تكثر الإعلانات المدفوعة والمموّلة على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أنفقت الحكومة الإسرائيلية في بداية الحرب على غزّة نحو 7.1 مليون دولار على إعلانات على «يوتيوب» في الشهر الأول من الحرب وفقاً لبحث أجري على بيانات منصّة Semrush التي تقدّر النفقات على الحملات الإعلانية.

تعمدُ الهاسبارا إلى نشر معلومات من شأنها كسب الجمهور وخصوصاً خارج إسرائيل، بحيث تتبّع أساليب سابقة استخدمت في تبرير الحروب على العراق وأفغانستان وغيرها. ولذلك، جاء إعلان الرئيس الإسرائيلي عن تعليمات تلقّاها مقاتلو حماس عن صنع الأسلحة الكيميائية مستوحاة من تنظيم القاعدة. وانتشر هذا الإعلان في الأسابيع الأولى من الحرب على غزّة.

تتوجّه أعمال حملة هاسبارا إلى المجتمعات اليهودية في البلدان كافة، وبالتالي تستخدم لغاتها لتحقيق ذلك. على سبيل المثال، تدعم مؤسّسة ميراج الإسرائيلية، منذ 25 عاماً، هجرة اليهود الإيرانيين إلى إسرائيل وتساعدهم على الاندماج في المجتمع. وسارعت، منذ اليوم الأوّل لحرب الإبادة على غزّة، إلى تجنيد حوالى 450 متطوّعاً إسرائيلياً إيرانياً يجيدون اللغة الفارسية، من أجل نشر محتوى الديبلوماسية العامة (هاسبارا) المترجم على مواقع التواصل الاجتماعي كافة، وخلق محتوى خاص يتناسب مع اليهود الإيرانيين.

الدعم الحكومي والمالي

تمنح الوزارات الحكومية المساعدة للمنظّمات المدنية المهتمة، من خلال منح مبادرات متنوّعة. على سبيل المثال، أطلقت وزارة شؤون المغتربين دعوة لتقديم اقتراحات لتوفير الموارد لمبادرات هاسبارا المدنية، وقدّمت دعماً للمنظّمات التي كانت تدعم جهود هاسبارا سابقاً.

خصّصت وزارة المالية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ميزانية إضافية لجهود هاسبارا في الحرب بقيمة 63 مليون شيكل (نحو 17 مليون دولار)، على أن تحصل وزارة الخارجية على 10 ملايين شيكل، و20 مليون شيكل لوزارة الشؤون الخارجية، و33 مليون شيكل لدعم المنظّمات المدنية التي تعمل في هاسبارا في خلال الحرب.

زمالات هاسبارا

تنشط حملة هاسبارا كثيرا في أميركا الشمالية بحيث أنشئت مؤسّسة «زمالات هاسبارا» منذ أكثر من 20 سنة بهدف تدريب الطلّاب في أكثر من 95 حرماً جامعياً في الولايات المتحدة وكندا. وترسل المؤسّسة مئات الطلّاب سنوياً، في فصلي الشتاء والصيف، إلى إسرائيل ويتلقّون «دعماً وموارد من موظّفي هاسبارا بعد عودتهم من إسرائيل».

وحالياً، سارعت «زمالات هاسبارا»، مستخدمة سردية تأثير الحرب الحالية على الطلّاب اليهود في شمال أميركا، إلى إطلاق مهمّة قيادية طالبية – في إسرائيل – لمدّة سبعة أيّام مموّلة بالكامل وموجّهة لعشرين طالباً، يزورون خلالها نقاط استراتيجية مثل الحدود مع سوريا ومع غزة، والكنيست والمحكمة العليا ويلتقون بقياديين ومؤثّرين وعسكريين وأكاديميين إسرائيليين لتزويدهم بالمعلومات التي يجب نشرها في جامعات أميركا الشمالية.

في الخلاصة، هاسبارا، بأشكالها المختلفة، ليست إلا أداة إضافية تستخدمها إسرائيل لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم بين الجماهير الغربية وتخفيف حدّة معارضة عدوانها على غزّة ومشروعها الاستيطاني على المستويين الشعبي والدولي.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي