أخبار

🖊️.. قراءة في اغتيال الشيخ العاروري وقادة القسام في بيروت

كانت هناك بعض المؤشرات على احتمالية شن المنظومة العسكرية والأمنية الصهيونية لعملية اغتيال قريبة لشخوص قيادية في المقاومة في خارج فلسطين المحتلة، وتحديداً في لبنان، كان أبرز هذه المؤشرات:

– تحليق مستمر لطيران استطلاع صهيوني غير مأهول من النوع الاستراتيجي في سماء بيروت الإدارية خلال الاسبوعين الأخيرين، وبشكل مُكثف فوق الضاحية الجنوبية من العاصمة بيروت.

– رسائل التهديد المتكررة السرية والعلنية من قبل قادة أجهزة أمن الكيان الصهيوني ووزارة الحرب الصهيونية، بجدية تنفيذ سلسلة من أعمال الاغتيال بحق قادة حماس والجهاد الاسلامي في الخارج، وكان هذا لافتاً في التصريحات الفجة لرئيس الشاباك الصهيوني عن اغتيالات قريبة في دول كقطر ولبنان وتركيا،

– الحديث الاعلامي عن انسحاب حاملات الطائرات الأميركية من المنطقة، في إشارة لإنخفاض مستوى الحرب والتصعيد في المنطقة، وهذا الحديث له نصيبه في الجانب الخداعي، حيث تم قراءته من البعض أنه في إطار ضعف الموقف الصهيوني، وإنزعاج الإدارة الأمريكية من إدارة الكيان الصهيوني للحرب على قطاع غزة.

– اعتقال تركيا لخلايا الموساد في اسطنبول أول أمس، ضمن حملة عاجلة ودقيقة لوأد مخطط اغتيالات بحق كوادر من المقاومة على الأراضي التركية.

وبما أن ما كان محذوراً قد حصل، وتم استهداف القادة في بيروت بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت…

فماذا نقرأ في عملية اغتيال الشيخ العاروري ورفاقه القادة..!

– أرادت دولة الكيان القول بأنها جاهزة هذه المرة للحرب والقتال على أكثر من جبهة في آن واحد، عبر كسرها لقواعد اشتباك معمول بها منذ العام 2006م في لبنان مع حزب الله، باستهداف أرفع شخصية فلسطينية حليفة في وسط بيروت.

– نرى أن هناك تقدير موقف لدى المنظومة الأمنية والعسكرية الصهيونية بأن مستوى الرد على هكذا عمل في قلب بيروت، من قبل حزب الله اللبناني أو فرع القسام في لبنان والخارج أو حتى الرد القسامي من قطاع غزة، لن يتعدى ردود الفعل المستوعبة التي لا تُفضي لضرر أمني كبير على الكيان، أو تُحدث تغييراً جوهرياً في مسار الحرب والذي قد يهدد مصالح دولة الكيان.

– أرادت دولة الكيان إيصال رسائل لقادة حركة حماس والجهاد الإسلامي أنها جادة ومستمرة في ملاحقتهم ومطاردتهم في الخارج، وأنها تخوض حرباً حقيقية في غزة وخارجها مع المقاومة على أساس صراع وجود، وأنها لا تعبء كثيراً بالحواجز الدبلوماسية والحسابات الاقليمية في تحقيق أهداف حربها المُعلنة والتي أهمها ( القضاء على المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس ).

– نرى أن الاستهداف جاء لشخصيات عسكرية وازنة في حركة حماس، من حيث الرمزية والمهام والتاريخ وحسابات الثأر القديم، فنحن نتحدث عن الشيخ العارروي رئيس حماس بالضفة الغربية ونائب رئيس الحركة ومسئول العلاقات مع القيادة الايرانية والمحور، وسمير أفندي القائد العسكري في الخارج، وعزام الأقرع القائد العسكري في الضفة الغربية، وهذا يأتي في إطار ما يُعرف بالإنتخاب المهني للأهداف.

– نرى أن هناك تعاون وثيق ومسبق في عملية الاغتيال هذه مع الادارة الأمريكية، حيث أن الشيخ صالح العاروري والقائد العسكري سمير أفندي ملاحقين من الإدارة الأمريكية وقوائم الإرهاب الأمريكية والانتربول الدولي، وهذا من بديهيات التنسيق الأمني والتعاون المعلوماتي والمشاركة في عمليات بهذا الحجم، وهناك موافقة أمريكية لشن هكذا أعمال، وكشواهد سابقة فقد أثبت اغتيال القائد في الحرس الإيراني سليماني الذي اغتيل في بغداد، والقائد في تنظيم القاعدة أبو محمد المصري الذي اغتيل في طهران، حجم وعمق الترتيب والتعاون الأمني بين الصهاينة والأمريكان.

– على الجانب الأمني والاستخباراتي، نرى أن جمع معلوماتي متقدم كان طيلة الفترة الماضية لهذه الشخصيات، وبما أنها شخصيات تنفيذية ذات اختصاص عسكري وأمني، فلا مفر من الاجتماعات الإدارية والتحركات اللازمة والتنسيقات مع الأطراف ذات الصلة، على اعتبار أنها على أرض ذات سيادة، ووجود قواعد اشتباك تضمن حرية الحركة والتنقل وتوفر شيئاً من الأمان، وكان صانع القرار ومتخذه بالكيان ينتظر المعلومة الذهبية التي تؤكد وجود اجتماع يجمع هذه الشخصيات معاً في نفس الوقت والمكان، ويبدو أنه المستوى الأمني الصهيوني صبر جيداً للوصول لهكذا لحظة، والتي تُعتبر صيداً ثميناً في سياق العمل الأمني، وفرصة لا تتكرر في سياق الحرب الجارية منذ أكثر من 85 يوماً.

– الجرأة الصهيونية في هذه العملية، أيضاً هي رسالة تحدي كبيرة لحزب الله في التصعيد الجاري والاشتباك الناري الحاصل معه على الجبهة الشمالية منذ السابع من اكتوبر، وأن الاستمرار في الإضرار بأمن المستوطنات بالشمال لا يمكن أن يستمر، وفيها تحذير جدي وخطير بأن رؤوس قيادة حزب الله والحرس الثوري في بيروت ليست بعيدة عن الإستهداف والقتل.

– على الصعيد العسكري المستقبلي، يريد المستوى الأمني والصهيوني تعطيل منظومة القيادة والسيطرة على الأعمال المختلفة للمقاومة في الضفة الغربية والتي يقف على رأسها الشيخ صالح العاروري والقائد عزام الأقرع، وأيضاً تحقيق إضرار كبير في منظومة القسام في لبنان والخارج والتي يقف على رأسها القائد سمير أفندي بعد تصاعد نشاطها العملياتي والتخطيطي خلال الأعوام الأخيرة، وزعزعة هذه المسيرة بالقضاء على الشخوص التي تقود هذا الجسم.

– على المستوى الفني والهندسي،  يبدو أنه في هذه العملية، استخدم سلاح الجو الصهيوني مجدداً الصواريخ المُجنحة ذات الدقة العالية والتأثير الفعال في اختراق الاسمنت المسلح، وهي صواريخ متطورة تم استخدامه عدة مرات كان أبرزها في اغتيال القائد تيسير الجعبري في برج سكني في قلب غزة، وهذه الصورايخ المجنحة ذات أغراض متعددة وأنواع مختلفة، ويتم  إطلاقها من مسافات عالية وبعيدة بطائرات إف 35، وإف 16، ويمكن لطائرة هيرون TB المعروفة (بإيتان) وهي أضخم طائرة بدون طيار لدى الكيان، والتي تحمل متفجرات يصل وزنها لطن واحد أن تُطلقها، وباعتقادنا أن منظومة الإنذار المبكر الجوية لحزب الله والجيش اللبناني تعرف جيداً بشكل مهني طبيعة نوع هذه الطائرة التي أطلقت ونوع الصورايخ التي تم استخدامها في ضربة الاغتيال.

– يريد صانع القرار الصهيوني، أن يستثمر بهذه العملية، عبر استعادته جزءاً من هيبته الضائعة، وترميم حالة الردع لديه والتي أطاح بها طوفان الأقصى، وتحقيق صورة نصر لديه، خاصة في ظل انسداد الأفق الميداني والسياسي في قطاع غزة، وحالة العجز أمام الصمود الأسطوري للمقاومة والحاضنة الشعبية هناك.

– يعتقد المستوى الرسمي الصهيوني بأن هذا الفعل يرفع رصيده المتدني لدى الجمهور الصهيوني الذي أصابه الإحباط من حجم الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية منذ السابع من اكتوبر وشن الحرب على قطاع غزة، وأن هذا الفعل قد يحسن أوراق التفاوض مع حماس عبر مزيد من الضغط على قادتها الكبار في الخارج للرضوخ لمطالبه.

🪶 التقدير:

– أصبحت الكرة الآن في ملعب حزب الله تحديداً، حيث تم الاغتيال على أرضه، وضد حليفه وضيوفه، بصورة بشعة وإجرامية وفي توقيت حساس تشهده المنطقة، متجاوزاً كل قواعد الاشتباك التي تم ترسيخها منذ حرب تموز 2006م، والذي نتوقعه من خيارات أمام حزب الله:

– الأول : عملية إحتواء لحدث خطير كهذا، عبر ردود فعل مُستوعبة، لا تُخرجها عن دائرة السيطرة في منطقة مشتعلة أصلاً، خاصة وأن الحزب سيقرأ الجرأة الصهيونية في إطار الاستدراج لفخ كبير وجر لحرب طاحنة، سيكون الكيان الرابح فيها في ظل استعداد وجهوزية عالية من الكيان لخوضها، وثمن ردود الفعل المستوعبة والمنضبطة يعني استباحة بيروت ولبنان لاحقاً وقصفها متى شاء الكيان.

– الثاني : الذهاب لردود فعل غير تقليدية على هذه العملية، قد تُخرج الأمور عن دائرة السيطرة من الأطراف، مما يعني حرب طاحنة على لبنان، مع احتمالية كبيرة لتوسع نطاق الحرب إقليمياً، وهذا ما نستبعده  من حزب الله على الأقل في الوقت الحالي.

والذي نرجحه، هو ردود أفعال مُنسقة بين حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي بالترتيب مع طهران، لضربات كبيرة لكنها محسوبة ضد الكيان الصهيوني من لبنان وقطاع غزة، بالتزامن مع رفع أكبر لمنسوب الضغط العسكري والأمني على المصالح الأمريكية في أكثر من ساحة، كونها الداعم الأول للكيان، والذي قد تُشكل ضغطاً كبيراً عليه، إذا تعرضت مصالحها بشكل أكبر لاستهدافات مباشرة من المحور، وربما نرى أعمال جديدة ومختلفة في العراق واليمن ولبنان تُشير للمنسوب الجديد من الضغط.

– نرى أن مسلسل الاغتيالات ضد قادة المقاومة سيستمر بطرق تقليدية وغير تقليدية وفي أكثر من ساحة ودولة، في إطار هدف استراتيجي وضعه صناع القرار الصهيوني منذ بالسابع من اكتوبر والذي عبر عنه المستوى الرسمي والمعارضة الصهيونية بأنه ” صراع بقاء وحرب وجود “، وهذه الضربة هي باكورة هذا المسلسل التي تستوجب حذراً شديداً من قادة المقاومة، وتفويت الفرص على الكيان في ظل حرب ضروس.

– انسداد الأفق السياسي والميداني الحاصل، وحالة المراوحة منذ شهر تقريباً، تعود أسبابه: للعربدة والتعنت الصهيوني المستمر، وعدم الاستجابة لمطالب المقاومة بوقف الحرب، والتآمر العربي الرسمي والاقليمي على المقاومة ورغبتهم في القضاء عليها عبر إطالة أمد الحرب، ومنع الشعوب من التفاعل ونصرك قضيتها، ومنح الكيان الغطاء والوقت لممارسة استئصال ممنهج لكل مكونات المقاومة، بالإضافة للموقف الغربي والأمريكي في الدعم اللا متناهي للكيان الصهيوني سياسياً وعسكرياً وأمنياً ودبلوماسياً.

– على صعيد المقاومة وقيادة حماس، نعتقد أن هذه الضربة رغم ثقلها في ميزان المقاومة، لكنها لن تؤثر على مسيرة الحركة وطريقة إدارتها للمعركة الدائرة ميدانياً وتفاوضياً، وستجعلها أكثر إصراراً على التحدي للغطرسة والعربدة الصهيونية والهيمنة الغربية.

أخيراً..

نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع المحتدم، وأحداث وتطورات متلاحقة ستحدد وجهة ومسار الحرب برمتها خلال الفترة القريبة القادمة.

#طوفان_الأقصى

#غزة

#بيروت

✍️ أسامة خالد

مُختص وباحث في الشؤون العسكرية والأمنية

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي