اطلالة الهدهد

مفاهيم تعبوية وإجراءات ميدانية

طوفان الأقصى … العمليات المحدودة

توطئة :

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن اليوم التالي للحرب الدائرة في غزة ، كما تردد أن خلافاً نشب بين المستويين السياسي والعسكري لدى العدو الصهيوني حول المرحلة التي ستلي الإعلان عن انتهاء القتال ؛ على قاعدة أن هذه الحرب لن تقضي على حركات المقاومة الفلسطينية في غزة ، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية ” حماس ” ، فالقضاء عليها هدف غير وقعي ، وغير ممكن التحقيق كما صرح كثير من ساسة العدو ومفكريه ؛ على اعتبار أن ” حماس ” ليست حزباً سياسياً أو حركة اجتماعية تغييرية أو تنظيم مسلح ــ وإن كان كل ما قيل من صفات يمكن أن تتصف به هذه الحركة ـ وحسب ، وإنما هي فكرة ؛ والأفكار لا يمكن أن يقضى عليها ، ولا يمكن أن تموت ، وإن خبى ذكرها ، أو قل شأنها حيناً ؛ فلا بد أن يأتي يومٌ تعود فيه هذه الأفكار للنمو ، وإعادة التبلور ، ثم الظهور مجدداً . وهذا أمرٌ ـ استحالة القضاء على قوى المقاومة الفلسطينية ـ ، مضافاً له عدم قدرة تحمل الكيان لطول الحرب ، وبهذا الزخم والأكلاف ـ تبلغ كلفة الحرب يومياً 1.2 مليار شيكل ، أي ما يعادل 333 مليون دولار أمريكي ـ أكثر مما وصلته الآن ، زمانياً ـ 82 يوم ـ هو ما دفع مجلس وزراء الكيان المؤقت ، لتفويض مجلس حربهم ـ نتن ياهو ، غالنت ، غانتس ، أيزنكوت ، دريمر ـ أن يبدأ المرحلة الثانية من حربهم على غزة ، والتي أسموها مرحلة ” العمليات المحدودة ” ، فماذا يعني هذا المصطلح ؟ وما هي الدلالات التعبوية والإجراءات الميدانية الممكن استنباطها منه ؟ وهل من إجراءات يمكن أن تتخذها المقاومة للتعامل مع مثل هذا النوع من العمليات ؟ هذا ما ستجيب عنه هذه الورقة في عجالة ، ودون الخوض في تفاصيل فنية تخصصية .

معاني التعبوية :

دعونا قبل أن نخوض في مفهوم ” العمليات المحدودة ” أن نتطرق إلى بعض المعاني التعبوية والمصطلحات الفنية ؛ لتكتمل الصورة ، وليتضح المفهوم محل البحث ، ومن هذه المفاهيم المساعدة في تجلية الصورة و ( هضمها ) ما يأتي :

1. التماس : هو إجراء تقوم به التشكيلات العسكرية ، بحيث تصبح على صلة ؛ بصرية ضمن رؤية العين البيولوجية ، أو العين المسلحة ، أو تحقق تماساً نارياً مع العدو ضمن مدى أسلحتها المؤثرة ، بحيث يُطبق التشكيل المقاتل معلوماتياً أو نارياً على عدوه ، في مكان وزمان محدد .

2. الهجوم : هو باختصار شديد ؛ أي حركة تعبوية يقوم بها التشكيل المقاتل باتجاه عدوه أو خصمه في منطقة المسؤولية أو العمليات .

3. الدفاع : هي مجموعة من الإجراءات التعبوية والتنظيمية التي يقوم بها التشكيل المقاتل ؛ أكان مستقراً في جغرافيا ، أو متحرك فيها ، بحيث يأمن على نفسه من غوائل عدوه ومباغتته ، أو أن يصله ضررٌ منه ، أو أن تلحق به خسائر من جراء فعله ، أو رد فعله.

4. إعادة التنظيم : هي مجموعة إجراءات يقوم بها التشكيل المقاتل بعد أن ينجز مهمته ، ويحقق هدفه ، بحيث يحصي خسائره ، ويعرف ما نقص من قدراته من جراء عملياته ، ثم يعمل على ترمم قدراته ، وتوزيع مهماته ، بناء على ما استجد من موقف .

5. التموضع : هي مجموعة إجراءات تعبوية يقوم بها التشكيل عند انجاز مهمة ما ، بهدف الاستقرار الدائم أو المؤقت في جغرافيا ما ، إلى حين صدور أمر مختلف يستدعي الحركة أو التحرك .

6. تطوير العمليات : هي إجراءات يقوم به التشكيل القتالي لاستئناف عملياته القتالية ، بعد اتمامه مرحلة من مراحلها ؛ بحيث يندفع أو يناور بقدراته لتحقيق إنجازات جديدة ، أو استثمار مواقف ، ووضعيات فعلية .

7. العمليات الشاملة : هي العمليات العسكرية التي تشمل كافة إجراءات العمل العسكري ، من هجوم ودفاع واستقرار ، بحيث تستخدم فيها كافة صنوف القوات ـ برية ، بحرية ، جوية ـ ، وتتسع لتشمل كامل مسرح أو منطقة العمليات أو المسؤولية .

8. العمليات المحدودة : هي عمليات عسكرية محدودة المكان ، ومحددة الأهداف ، والوسائل والجغرافيات ، بحيث تأتي لإنجاز أهداف جزئية ، في سياق تحقيق الغايات الكلية من العمليات العسكرية .

الإجراءات الميدانية :

بعد هذه التعاريف المفاهيمية السريعة ؛ ما هي الإجراءات الميدانية الممكن تصور قيام العدو بها أثناء تشغيله لقدراته القتالية ضمن مفهوم ” العمليات المحدودة ” ؟

يمكن تصور قيام العدو بالإجراءات التالية :

1. المزيد من عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات ، بمختلف وسائل ووسائط الجمع الميداني والالكتروني .

2. المفاضلة بين الأهداف بحيث يخصص القدرات للتعامل معها ـ الأهداف ـ بناء على قاعدة الأهم ثم المهم .

3. التظاهر بالاشتباك بهدف كشف الاستعداد والانتشار ، ثم الإطباق الناري ؛ الجوي أو البري أو البحري على الهدف عن بعد .

4. تفعيل العمل الأمني الذاتي ، أو بالواسطة عبر العملاء ومصادر المعلومات في مناطق العمليات .

5. تقليل عمليات الاحتكاك والمناورة القريبة ، وزيادة عمليات الاشتباك الناري البعيد .

الإجراءات الوقائية :

1. عدم الاستجابة أو التجاوب مع عمليات الاستفزاز المعادي .

2. التصدي للتهديدات بأقل القدرات .

3. ترجيح الإنسان على المكان ـ حفظ الذات مقدم على الحفاظ على الأرض ـ كون الاستقرار في الأرض ليس هدفاً عند العدو، في مثل هذه النمط من العمليات .

4. رعاية أصل التأمين الشامل ـ أفراد ، منشآت ، معلومات ـ في كافة مناطق العمليات .

5. التنبه من الإجراءات الأمنية لأهداف عملياتية ـ تجسس ، زرع أجهزة توجيه أو استدعاء نار ، إضاءة أهداف تمهيداً للضرب ـ وغيرها من إجراءات التمهيد العملياتي .

كانت هذه إضاءة سريعة على بعض المفاهيم المساعدة في فهم ما يرمي له العدو من الانتقال إلى مرحلة ” العمليات المحدودة ” . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون .

عبد الله أمين

28 12 2023

 

 

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي