أخبارتقارير و دراسات

إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب “الجُزء السادس”

✍️ أ . عبد الله أمين الخبير العسكري والأمني

الجزء الاخير
تناول الحديث في الجزء الخامس من إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب أو الدفاع الإجراءات المادية والنفسية المتعلقة بإعداد القوات ، ونختم هذه السلسلة بالحديث عن أهم الإجراءات التي تقوم بها جهات الاختصاص العسكرية فيما يعني تهيئة القوات المسلحة للحرب أو الدفاع ألا وهي المتطلبات والإجراءات العملياتية في هذا المسار الشاق والطويل .

المتطلبات العملياتية :
1. تحديد الاتجاهات الاستراتيجية للعمليات المعادية :
يقع على عاتق جهات الاختصاص في القوات المسلحة بمختلف صنوفها ؛ البرية والجوية والبحرية ، تحديد الاتجاهات الإستراتيجية للعمليات العسكرية المتصورة من قبل العدو ضد الدولة . وبناءً على ذلك ـ تحديد الاتجاهات الاستراتيجية للعمليات المعادية ـــ فإن قيادة القوات المسلحة ممثلة بهيئة الأركان المشتركة مجتمعة ، تقوم بتحديد الاتجاهات الاستراتيجية لعمليات مواجهة التهديد المعادي ، والتي يُستدل عليها من خلال معرفة أهداف العدو من العمل العسكري بشكل رئيسي ، ومن خلال معرفة قادة القوات المسلحة بالأهداف الأرضية المهمة المنتشرة على طول أراضي الدولة وعرضها ، حيث تشكل هذه الأهداف مراكز الثقل التي يفترض وبشكل منطقي أن تكون الاتجاهات الاستراتجية للعمليات المعادية موجهة لها من أجل احتلالها أو تدميرها أو السيطرة عليها .كما أن معرفة هذه الاتجاهات يمكّن ركني التخطيط والعمليات بشكل رئيسي ، وباقي أعضاء هيئة أركان القوات المسلحة من معرفة مكان الجهد الرئيسي والجهد الثانوي والجهد الخداعي للعدو.

2. تحديد الجهود الرئيسية :
بعد أن يتم تحديد الاتجاه الرئيسي للعمليات المعادية ، والتي يقابلها تحديد الاتجاه الرئيسي للقوات الصديقة ؛ يتم تحديد مناطق ونوع الجهد الرئيسي المطلوب لدفع المخاطر الناتجة عن التهديد المعادي ؛ وهنا تقوم جهات الاختصاص بتعليل الإجراءات التعبوية التي تريد أن تقوم بها والمتمثلة ، بتخصيص القدرات ؛ كماً ونوعاً ، بناءً على تقدير المعلومات المقدم من ركن الاستخبارات ، والخطة التعبوية المقدمة من ركن العمليات المبنية في أساسها على تقدير معلومات ركن الاستخبارات . في هذا الأمر هناك تفصيل كثير يبدأ بعمليات حشد القوات في الخطوط الخلفية ، ودفعها بشكل آمن باتجاه منطقة العمليات أو منطقة المسؤولية وينتهي بفكرة المناورة لتحقيق أهداف القوات المناورة في منطقة المسؤولية أو منطقة العمليات .

3. تحديد مراحل العمليات :
كما تقوم جهات الإختصاص وفي سياق اعداد القوات المسلحة للدفاع أو الحرب ، بتحديد مراحل العمليات العسكرية زماناً وجغرافيات ــ الهدف العسكري يتمثل بجدول زمني وموقع جغرافي ــ متى واين تبدأ ومتى وأين تنتهي العمليات ، وما هي صنوف واختصاصات القوات المسلحة ــ تركيباً واستعداداً وتنظيماً ــ المشاركة في كل مرحلة من هذه المراحل ، وكيف سيتم اسنادها إدارياً بما تحتاج له من صنوف الاعاشة والطبابة وغيرها من الشؤون الإدارية المعرّفة تنظيمياً في قيادة القوات المسلحة .

4. نشر وتوزيع القوات بناء على الاتجاه الاستراتيجي للعمليات :
بعد أن تقوم قيادة القوات المسلحة بالجهود الركنية المرتبطة بتحديد الاتجاهات الإستراتيجية للعمليات العسكرية ؛ المعادية والصديقة وتحديد الجهود الرئيسية والثانوية للقوات الصديقة وكذا مراحل العمليات ؛ تقوم بالأعمال التعبوية المرتبطة بنشر وتوزيع وموضعة القوات جغرافياً كلٌ وفق الدور المطلوب منه في العمليات ــ دفاعاً أو هجوماً ــ ، وهذا الدور يتم تحديده بناءً على أصل المهمة المطلوب تنفيذها والقدرات التي تمتلكها القطعات العسكرية المشاركة في العمليات . وفي هذه المرحلة يتم تحديد مناطق المسؤولية لكل وحدة من الوحدات المناورة أو المشاركة في العمليات بشكل دقيق بحيث لا تقع أخطاء أثناء المناورة ينتج عنها خسائر في القوات الصديقة كنتيجة طبيعية لعدم الوضوح التام لمناطق المسؤولية ، كما أن تحديد هذه المناطق يساعد قيادة القوات في عمليات القيادة والسيطرة قبل وأثناء وبعد العمليات العسكرية أي عند النشر و المناورة و اعادة التموضع على الهدف استعداداً لأي عمليات لاحقة .

5. التدريب والمناورات :
ومن الأمور المهمة في عمليات إعداد القوات المسلحة للدفاع أو الحرب ؛ التدريب والمناورات على الخطط ؛ الدفاعية والهجومية ، فكل صنف من الصنوف أو اختصاص من الاختصاصات يمارس عمليات التدريب ؛ الفردي والجماعي والتخصصي ، بناءً على المهام المنوطة به والمتصورة لها مستقبلاً . وعمليات التدريب كما أنها ترفع من كفاءة قدرات المقاتل أو التشكيل وتحافظ على جاهزيتة القتالية ؛ فإن لها دور مهم مرتبط بتوثيق الصلات الفردية بين أفراد التشكيل وزيادة ثقتهم ببعضهم البعض وبما يملكون من أدوات قتال ؛ فردية أو جماعية ، وهنا لا بأس من التذكير بالقاعدة التي نراها في كل مراكز التدريب والتي تقول : أن كل قطرة عرق ترشح في التدريب ، توفر قطرة دم في الميدان .

6. الاستثمار الجيد للعمق الاستراتيجي للبلد :
إن العمق الاستراتيجي لأي دولة يمثل الدرع الذي يمتص ويحتوي الضربات الأولى لأي تهديد ، والدول الفاقدة للعمق الاستراتيجي إنما تشبه جسم الانسان النحيف الذي لا يمتلك طبقة دهون مناسبة تتلقى عنه الضربة الأولى ؛ وتتحول غذاءً عند الحاجة . والوحدات السياسية التي تملك مثل هذا العمق تجهد في عمل الاجراءات التي تساعدها في امتصاص واحتواء التهديدات التي تتعرض لها مستفيدة من هذه المزية الجغرافية ، وهنا لا بد من الإشارة إلى انواع الأعماق الاستراتيجية بناء على تعريف المهمة للعمق الاستراتيجي ؛ فالعمق الإستراتيجي هو مساحة من الأرض تقوم بتلقي الضربة الأولى المعادية وامتصاص زخمها وتقليل ضررها على مراكز ثقل الدولة إلى حين حشد وتعبئة القوات المسلحة التي تستطيع وقف العدوان قبل تطوره وتعاظم خطره ، وما لم يحقق العمق الاستراتيجي هذه المهمة ؛ فإنه لا يعني شيء !! ولا قيمة له ،
وهنا نشير كما قلنا إلى أنواع الاعماق الاستراتيجية بناء على التعريف المشار له سابقاً والتي ــ الأنواع ـ هي : 

1. العمق الإستراتيجي الحقيقي :
هو عبارة عن مساحة من الأرض ـ طولاً وعرضاً ــ تمتلكها الدولة تشكل درعاً واقياً وماصاً للصدمات المعادية ، يتلقى الضربة الأولى المعادية ويحتويها ، دافعاً أو مقللاً من خطرها والتهديدات الناتجة عن تحرك العدو ، بحيث تتم حماية وتأمين مراكز ثقل الدولة من أن يصلها تهديد العدو وخطره ، وهنا فإن المعيار ليس امتلاك الأرض فقط ، وإنما الاستفادة منها في نشر وبناء الجهاز الدفاعي للدولة في هذه المنطقة من أجل تأمين وحماية مراكز الثقل المتفق عليها من قبل قادة الدولة ؛ بشقيهم السياسي والعسكري ، وفي هذا تفصيل يطول بحثه وبسطه .

2. العمق الاستراتيجي الوهمي :
قد تملك دولة ما مساحات شاسعة من الأرض تتجاور فيها مع دول صديقة أو عدوة ، ولكن عند تفحص هذه المساحات نجدها خالية من البشر والشجر والحجر ، فيسير فيها الراكب أياماً بلياليها لا تقع عينه على كائن بشري أو مبنىً حجيراً ، فبمجرد أن تلج الدولة وتتجاوز نقطة عبورها الحدودية مع الدولة الجارة لها ؛ فإنك تسير دون أي إشارة على أي نوع من الحياة حتى تصل مشارف العاصمة أو أول مدينة في هذه الدولة ، إن مثل هذه المساحات وتلك الأراضي وبهذا التوصيف لا يمكن أن يطلق عليها عمق استراتيجي حقيقي ؛ فالعدو لا يوقفه شيء ولا يعيق تحركه عائق حتى يصل أول مدن الدولة ، لذلك اطلقنا على هذه المساحات الأرضية ؛ عمقاً استراتيجاً وهمياً ، كونه لا يحقق أصل الهدف منه بناء على التعريف الوظيفي للعمق الاستراتيجي المشار له .

3. العمق الاستراتيجي الصناعي :
هناك دول صغيرة المساحة ، وكمثال على ذلك فلسطين المحتلة ؛ من أجل أن يعوض المحتل صغر المساحة والذي يشكل نقطة ضعف رئيسية ودائمة له أمام التهديدات المتصورة ، عمد إلى صناعة عمق استراتيجي من خلال القيام بسلسلة من الإجراءات الدفاعية ، بدءاً من سلسلة المغتصبات وطريقة توزيعها وتموضعها في الأرض المحتلة وطبيعة دورها في الخطة الدفاعية عن الكيان وامتلاك أدوات قتال قادرة على تسديد الضربة الجوابية على أي ضربة معادية ، وبذلك تقوم وبشكل استباقي بردع العدو من القيام بأي عملية استباقية مما يشكل امتصاصاً واحتواءً مسبقاً لأي تهديد متصور ، كما أن غواصات الدولفين التي يمتلكها العدو على سبيل المثال لا الحصر ؛ تشكل في معنىً من معانيها عمقاً استراتيجياً (صناعياً ) للكيان يمنع من تسديد أي ضربة معادية ابتداءً ، كما أنها تساعد في تسديد الضربة الجوابية على أي ضربة استباقية تسدد للكيان ومراكزه الحيوية .
كان هذا ما اتسع له المقال في هذه السلسلة من مسارات وإجراءات عمل تقوم بها الدولة من أجل إعداد نفسها للحرب أو الدفاع ، الأمر الذي ينطبق على أي كيان سياسي ؛ صغر أو كبر ، حتى لا يقع فريسة للطامعين ونهباً للناهبين ، مع الانتباه إلى أن هذه المسارات في هذه السلسلة لا تدّعي أنها قد جاءت على كامل الموضوع بكامل التفاصيل ، وإنما هي ــ السلسلة ـ جهد المقل ، على أمل أن تفتح باب النقاش عند أهل الحاجة والاختصاص .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق