أخبارالشرق الأوسطمقالات

تحليل.. الاختيار بين الإنجاز الاستراتيجي والسياسة الداخلية

ترجمة الهدهد

لم تكن القضية الفلسطينية مخفية في “السطور الصغيرة” من المقابلة الدرامية التي أجراها مؤخرًا محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، مع شبكة فوكس، وإلى جانب تأكيداته أن الحوار بين المملكة والكيان يسير بشكل جيد، خلافًا لما ينشر عن جمود في المفاوضات، وأن الكيان حليف محتمل للسعودية، أكد أن مسألة التطبيع تعتمد بشكل وثيق على الجانب الفلسطيني، وهذا الذي يحاول الكيان تقزيمه وتعريفه بأنه “عقبة” أو “صعوبة” في طريق تحقيق الانفراجة.

تنضم تصريحات بن سلمان إلى تصريحات بروح مماثلة لكبار المسؤولين في الحكومة الأمريكية، وعلى رأسهم الرئيس بايدن، والتحركات السياسية التي يقوم بها السعوديون أنفسهم، على سبيل المثال اجتماع لــ25 وزير خارجية من العالم عقد تحت رعايتهم في الولايات المتحدة الأيام الأخيرة وركز على أهمية رؤية حل الدولتين.

جميع التلميحات توضح للكيان أنه لا مفر من التعامل مع القضية الفلسطينية، مع التمسك بالفرضية السائدة القائلة إنه من الممكن تعزيز “السلام مقابل السلام” والتطبيع مع العالم العربي، مع ” تخطي” القضية الفلسطينية.

والسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه في هذه اللحظة هو ماذا يعني بن سلمان بكلامه عن التقدم الكبير في القضية الفلسطينية، ومن المرجح أن هذه ليست “لفتات اقتصادية” التي حتى الوزير وسموتريتش مستعد لقبولها، بل تحركات ذات طابع سياسي قدمت الى الرياض مؤخراً أيضاً من قبل قيادة السلطة الفلسطينية، وأهمها تغييرات في حجم الأراضي التي تحت سيادة السلطة، (خاصة تحويل مناطق ب إلى أ بهدف زيادة مساحة السيطرة الفلسطينية في الضفة الغربية) وإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس، وربما حتى استئناف المفاوضات السياسية.

كل خطوة من هذه الخطوات، وحتى الإعلان “الإسرائيلي” ذاته عن الاستعداد لتنفيذها، بما يتجاوز بكثير تصريح رئيس حكومة العدو في الاجتماع مع بايدن بشأن رغبته في “السلام مع الفلسطينيين”، قد يزيل من ناحية عقبات كبيرة على طريق التطبيع مع السعودية، ولكن من ناحية أخرى، قد يشكل تهديداً حقيقياً لاستمرار وجود حكومة “نتنياهو” بتركيبتها الحالية، في ظل المعارضة الحازمة من جانب ممثلي الصهيونية الدينية، وبعض أعضاء حزب الليكود، لخطوات مهمة الفلسطينيين، وربما حتى فرصة سانحة لتغيير تركيبة الحكومة.

تعزيز التطبيع مع السعودية مقابل الحفاظ على تماسك الحكومة..

لا يزال “نتنياهو” يحاول، بصعوبة كبيرة الإمساك بالحبل من كلا الطرفين: الترويج بقوة للتطبيع مع السعودية، بما في ذلك على حساب الموافقة على إنشاء دائرة وقود نووي على الأراضي السعودية تحت إشراف أميركي، وهي خطوة تتناقض مع العقيدة “الإسرائيلية” الراسخة التي تعارض تنفيذ مثل هذه الخطوة في الشرق الأوسط؛ ولكن في الوقت نفسه للحفاظ على تماسك حكومته، مع بث «التطمينات» حول طبيعة التحركات التي تم الترويج لها أمام الفلسطينيين، وحول القدرة على الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة مع تعزيز الإصلاح القانوني.

من الناحية العملية، يقترب “نتنياهو” بسرعة من نقطة الحسم حيث سيتعين عليه فيها أن يقرر ما إذا كان يريد تحقيق “الجائزة السعودية”، والتي كما ذكرنا، تجسد إنجازات استراتيجية (إلى جانب تحديات)، أم سيحافظ على المصالح السياسية الداخلية، وعلى رأسها التركيبة الحالية لحكومته.

إن احتمال تعزيز التطبيع مع السعودية وفق نموذج “السلام الاقتصادي” وحده يبدو منخفضًا في هذه المرحلة، وقد ثبت بالفعل في “اتفاقيات أبراهام” أنه غير واقعي: في عام 2020، تطلب من “نتنياهو” تجميد خطة الضم مقابل اتفاقيات السلام مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وهي خطوة انتقدها حزب الصهيونية الدينية بشدة، ومن المرجح أن يطرح على جدول الأعمال الآن أيضا مطلبًا أكثر أهمية.

ومن وجهة نظر “وطنية” استراتيجية واسعة، يوصى بالتخلي عن تصوير القضية الفلسطينية على أنها “عبء” أو “عائق”، والنظر في الواقع إلى النهوض بها تحت رعاية الحوار مع السعودية فرصة، نظراً لعدم وجود تفكير استراتيجي متعمق بشأن القضية الفلسطينية منذ عدة سنوات، فإن الكيان يتجه باستمرار نحو اندماج متزايد بينه وبين الضفة الغربية، الأمر الذي سيؤدي في النهاية، حتى بدون إرادة أو تخطيط الى واقع الدولة الواحدة، ويتحقق هذا التقدم بالاعتماد على مفهوم أن العمل على استقرار نسيج الحياة والاقتصاد للفلسطينيين سيسمح باستمرار الوضع الراهن لسنوات، وهو المفهوم نفسه الذي انهار قبل نصف قرن مع اندلاع حرب “يوم الغفران”.

إن تجديد المفاوضات السياسية والتغييرات المحدودة في الأراضي السيادية في الضفة الغربية كجزء من تعزيز التطبيع بين الكيان والمملكة العربية السعودية أبعد من أن يكون حسمًا استراتيجيًا على الإطلاق، ولكنه قد يعزز الربح الاستراتيجي الذي سيجنيه الكيان من انفراجه سياسية مع الرياض، ومن المهم التأكيد على أن التقدم في القضية الفلسطينية ليس “خدمة ” أو “تنازلات” يجب تقديمها للفلسطينيين، بل هو خطوة مهمة للغاية لتحقيق “المصالح الوطنية” ولصالح استراتيجية الكيان طويلة الأمد، ومن المرغوب فيه أن يكون بداية خطاب جاد ومؤثر وخال من الأوهام فيما يتعلق بصورة المستقبل “الإسرائيلي” الفلسطيني.

القناة 12/ ميخائيل ملشتاين

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي